الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثلاثون من أيلول.. المظلّة تغادر ويبقى السلاح

بواسطة azzaman

الثلاثون من أيلول.. المظلّة تغادر ويبقى السلاح

كاظم نزار الركابي

 

في شمال العراق تُطوى مظلّةٌ لا يراها الناس حين تعمل, ويرون أثر غيابها لحظة يعبر الصاروخ. تُحزم المعدات الأميركية الأخيرة، وتستعد منظومات الدفاع الجوي للرحيل مع مئات الجنود قبل الثلاثين من أيلول. وفي بغداد يرتفع التاريخ نفسه شاخصًا سياديًا: آخر جنود التحالف يغادرون قواعدهم العراقية، والعراق يعلن استعادة أرضه كاملةً.

للتاريخ وجهٌ آخر. الموعد الذي بدا حاسمًا مع القوة الأجنبية يفقد حدوده أمام القوة الداخلية. الجنود يملكون يومًا أخيرًا، والفصائل لا تملك يومًا أول لتسليم سلاحها. المظلّة تغادر في موعد، ويبقى السلاح بعده. وبين الرحيل والبقاء تقف دولةٌ تستعيد القاعدة ولا تستعيد الأمر، وتحتفل بالأرض فيما ينفتح فوقها فراغ السماء.

اتفق العراق والولايات المتحدة عام ألفين وأربعة وعشرين على إنهاء مهمة التحالف الدولي. وها هي واشنطن تنفّذ الجزء الأخير من الاتفاق، إذ أكد مسؤول عسكري أميركي أن مئات الجنود المتبقين في شمال العراق سيغادرون قبل نهاية الشهر، وأن معظمهم سيعاد نشره في الأردن ودول أخرى، وأن المعدات العسكرية، ومنها منظومات الدفاع الجوي، ستُسحب معهم.

الخروج هنا واضحٌ ومؤرّخ. شاحنات تتحرك، ومعدات تُفكك، وقواعد تُخلى، وساعةٌ سياسية تعدّ الأيام المتبقية. تستطيع الحكومة أن تشير إلى المشهد وتقول إن تعهدها تحقق. ويستطيع الخطاب الوطني أن يرفع صوته، وأن يمنح الثلاثين من أيلول معنى الانتصار الذي طال انتظاره.

موعدٌ للرحيل... ومهلةٌ للسلاح

ربطت الحكومة خروج التحالف بموعد حصر السلاح. ومع اقتراب التاريخ، صار الحسم حوارًا، وصار التسليم تنظيمًا، وصار الموعد بدايةً لمرحلة لا نهايةً للاستثناء. كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء رفضت نزع سلاحها أو وضعت شروطًا تعرف أن الدولة عاجزة عن إنجازها سريعًا. وأعلن مسؤول في إحدى الفصائل أن النقاش سيتناول تنظيم السلاح، لا تسليمه. أما الحكومة فتتجه إلى جمع ما تصفه بالأسلحة النوعية المتحركة، ومنها الصواريخ والمسيّرات بعيدة المدى، تحت قيادة مركزية، وإدخال الفصائل في سلسلة قيادة رسمية.

هذا فرقٌ يتجاوز اللغة. فحصر السلاح يعني أن الدولة تملك قرار استخدامه وتوقيت حركته ووجهته. أما تنظيمه فيعني أن السلاح يبقى في يد صاحبه، ويُضاف إليه سجلٌّ إداري أو عنوانٌ رسمي. الدولة الحديثة لا تكتفي بمعرفة موضع البندقية. إنها تعرف مَن يأمرها، ومَن يحاسبها، ومَن يمنعها من إطلاق النار.

الأميركي يملك موعد خروجه وينفذه. والفصيل يملك توقيت بقائه ويفاوض الدولة عليه.

في هذه المفارقة جوهر أزمة السيادة العراقية. إخراج القوة الأجنبية أيسر سياسيًا من إخضاع القوة الداخلية؛ فالأجنبية تقف وراء سور قاعدة وتغادر باتفاق معلن، والداخلية تجلس في مؤسسات الدولة وتمتد خارجها إلى موازين السلطة والاقتصاد والتمثيل. يفاوض رئيس الوزراء واشنطن على آخر جندي فيجد أمامه جدولًا وتاريخًا نهائيًا. ويفاوض السلاح الداخلي فيجد قوةً تشارك في صناعة القرار الذي يُفترض أن يُخضعها له.

الثلاثون من أيلول يكشف هذا الاختلال ولا يصنعه. إنه يضع صورتين متقابلتين أمام العراقيين: قوةٌ أجنبية تقبل نهاية مهمتها، وقوةٌ عراقية ترفض نهاية استثنائها. وبينهما حكومةٌ ترفع صوتها أمام الراحل، وتخفضه أمام الباقي.

يقول المدافعون عن التدرّج إن نزع السلاح بالقوة يفتح باب اقتتالٍ داخلي، وإن الحوار يحمي الدولة من حربٍ بين أبنائها. يحمل هذا القول قدرًا من الحكمة حين يكون التدرج طريقًا له نهاية. أما التدرج الذي يضع الطرف المسلح مدته وشروطه وسقفه، فيمنح الاستثناء عمرًا جديدًا. التأجيل المتكرر لا يحفظ هيبة الدولة. إنه يعلّم السلاح أن صموده أطول من مواعيدها.

سماءٌ لا تنتظر البديل

في ليلة السبت، خرجت السماء من المجاز إلى صفارات الإنذار. أعلنت السعودية اعتراض صاروخ بالستي استهدف الرياض، وأطلقت التحذيرات في مدن أخرى مع تصاعد هجمات الصواريخ والمسيّرات. وفي اليوم التالي، قالت طهران إنها تمتلك معلومات عن هجومٍ جديد وشيك، وحذّرت من ردٍّ يمتد إلى القواعد والمصالح الأميركية وحلفائها. يدخل الإقليم أسبوعًا تُقاس فيه السيادة بزمن الرصد والاعتراض، ويدخل العراق الأسبوع نفسه وهو يفقد هذا الزمن قبل اكتمال بديله الوطني. ما يغادر شمال العراق ليس معداتٍ وحدها؛ إنه المسافة الثمينة بين اكتشاف الخطر ووصوله.

الانسحاب الأميركي يخرج جنودًا ويخرج معهم قدرةً أيضًا. منظومات الدفاع المغادرة لم تكن درعًا كاملًا للعراق، ولم تُبنَ أصلًا لتؤدي وظيفة الدفاع الوطني الشامل. كانت توفر مستوى رصد واعتراض حول المواقع الأميركية وفي أجزاء من الشمال، وتمنح إقليم كردستان قدرًا من الحماية في بيئة عبرتها الصواريخ والمسيّرات مرارًا. خروجها يوسّع الفجوة بين التهديد القائم والقدرة العراقية الجاهزة. تعلن الحكومة اقترابها من شراء منظومات دفاع جوي من كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة، ووقّع وزير دفاعها في باريس إعلان نيات مع شركةٍ فرنسية لتطوير أنظمة دفاعٍ مستقلة. ذلك اتجاهٌ ضروري، وهو ما يزال اتجاهًا. ففي شمال العراق تغادر قدرةٌ موجودة، وفي باريس يُوقَّع وعدٌ بقدرةٍ مقبلة. بين القدرة والوعد تمتد سنوات من التمويل والتعاقد والتجهيز والتدريب والدمج والاختبار. الفجوة تُقاس بالسنوات، والسماء تُخترق في الثواني.

السيادة لا تعني بقاء المنظومة الأميركية. معناها أن تكون المنظومة العراقية جاهزةً قبل رحيلها. ولا تعني استبدال مظلّة أميركية بمظلّة فرنسية أو تركية أو كورية. معناها بناء سقفٍ وطني يراه الرادار العراقي، ويصدر قرار اعتراضه من قيادة عراقية، وتتحمل مسؤوليته دولةٌ عراقية واحدة.

قرارٌ واحدٌ لأرضٍ وسماء

فالدفاع الجوي أوسع من أجهزةٍ تُشترى. إنه قرارٌ مركزي يحدد مَن يرصد، ومَن يبلّغ، ومَن يعترض، ومَن يمتنع. وكل منظومة حديثة تفقد معناها حين تعمل تحتها قوى مسلحة تملك صواريخها ومسيّراتها وقرارها المنفصل. لا تستطيع الدولة حماية أجوائها من الخارج فيما يخرج من أرضها سلاحٌ لا تعرف توقيته ولا وجهته. الدولة العاجزة عن حصر سلاح أرضها هي نفسها العاجزة عن بناء سقف سمائها؛ العجزان وجهٌ واحد لغياب القرار الواحد. السماء المحمية تبدأ من أرضٍ يحتكر فيها القانون قرار القوة.

كان في وسع الثلاثين من أيلول أن يكون موعدًا لسيادتين تلتقيان: انتهاء الوجود العسكري الأجنبي، وانتهاء السلاح الخارج عن القيادة. الأولى وصلت إلى تاريخها. والثانية أُحيلت إلى ما بعد الانسحاب، من دون يومٍ ملزم أو نهايةٍ معلنة. هكذا تفقد المواعيد معناها: يبقى تاريخ القوة الأجنبية ثابتًا على الورق، ويكتب السلاح الداخلي تاريخ بقاء استثنائه.

الاحتفال بخروج الجندي حقٌّ للعراقيين. اكتمال الاحتفال يحتاج دولةً لا تبحث في اليوم التالي عمّن يحرس سماءها، ولا تفاوض داخل حدودها على معنى الأمر العسكري. فالفراغ لا يتحول سيادةً لحظة إخلائه. السيادة تبدأ حين تملؤه الدولة بقدرتها وقانونها وقرارها.

في الثلاثين من أيلول ستغادر القوات الأجنبية، وستبقى الأسئلة في مواقعها. مَن يحرس السماء؟ ومَن يأمر السلاح؟ ومَن يمنع الصاروخ قبل أن يعبر، والمسيّرة قبل أن تنطلق؟ السيادة لا تكتمل بإخلاء قاعدة، ولا تُبنى بإعلان نيات، ولا تعيش بين قيادتين. إنها قدرةٌ تحمي الحدود وقرارٌ يحتكر القوة.

في شمال العراق تغادر المظلّة. وفي بغداد يبقى السلاح ينتظر تسويةً جديدة. وبينهما تقف دولةٌ استعادت تاريخًا على الأرض، وتركت سماءها لليوم التالي.

تلك سيادةٌ بنصف سقف.

 

 


مشاهدات 41
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/09/21 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 36638 الكلي 16569158
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير