الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إستجداء السيادة والقرار العراقي المصادر

بواسطة azzaman

إستجداء السيادة والقرار العراقي المصادر

قتيبة آل غصيبة

 

منذ أن أعلنت الدولة العراقية بعد الغزو والاحتلال الامريكي عن نفسها وريئةً لحضارة امتدت جذورها إلى أرض الرافدين، ظلّت

«القوة» هي المفهوم الغائب الأكثر حضوراً في خطابها السياسي؛ والمُغيَّب الأكثر إلحاحاً في بنيتها المؤسسية، فبينما تتغنى الطبقة

السياسية بمفردات السيادة والاستقلال في كل مناسبة؛ فإن شؤون البلاد تُدار فعلياً بموازين قوى لا تملك الدولة زمامها؛ ولا تقرّر هي وحدها معادلاتها، وهنا بالتحديد تكمن المفارقة المؤلمة: «دولة تتحدث عن السيادة بصوت عالٍ؛ وهي عاجزة عن احتكار أدنى

مقومات القوة التي تجعل من هذه السيادة حقيقة لا شعاراً

معضلة دولة

إن فهم القوة هو الطريق إلى إجادة توظيفها، وإجادتها هو الطريق إلى تحقيق سيادة الدولة وحمايتها وصيانة استقلالها وحرية شعبها، فهذه العبارة؛ على وجازتها؛ فهي تختصر معضلة الدولة العراقية منذ عقدين ونيف: «فالقوة في جوهرها ليست غاية في ذاتها؛ بل أداة تُصان بها الكرامة الوطنية، ويُحمى بها القرار السيادي من الاختراق؛ ويُضمن بها للمواطن حقه في العيش الكريم بمنأى عن الإكراه، فقد أرسى «ابن خلدون؛ ت: 1046م، في كتابه المقدمة»؛ هذا المعنى منذ قرون» حين ربط قيام الدولة وبقاءها بوجود (عصبية جامعة وهي ماتعرف اليوم بالوحدة الاجتماعية او الوحدة الوطنية) تمنحها القدرة على فرض إرادتها داخل حدودها، فإذا ضعفت هذه العصبية - الوحدة الوطنية أو تصدعت، تصدعت الدولة معها ولو بقيت أجهزتها الشكلية قائمة»، والعراق اليوم يعيش أزمة هذه الوحدة الوطنية الجامعة بامتياز، فالولاءات متعددة؛ والقرار مشتت بين مركز رسمي ومراكز موازية؛ والهيبة التي يُفترض أن تكون حِكراً على الدولة باتت مشاعاً بين أطراف لا تخضع جميعها لسلطانها. ولعل أهم ما قدّمه الفكر السياسي الحديث في هذا الباب هو تعريف «عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر؛ ت: 1920» للدولة بوصفها:

(الكيان الوحيد الذي يحتكر «الاستخدام المشروع للقوة» داخل رقعة جغرافية محددة) ، فهذا التعريف؛ الذي أصبح مرجعاً كلاسيكياً في علم السياسة؛ لا يعني أن الدولة تُمارس القوة لذاتها أو تتخذها للقمع، بل يعني أن شرعية استخدام القوة يجب أن تنحصر بيدها وحدها، وأن أي اقتسام لهذا الاحتكار مع جهات أخرى عسكرية كانت أو حزبية أو عابرة للحدود إنما هو انتقاص مباشر من جوهر الدولة ذاته؛ بصرف النظر عن التبريرات التي تُساق لتغطيته، فالعراق؛ منذ عام 2003، لم يستعد حتى الان هذا الاحتكار المشروع، فبقيت السلطة موزعة بين مؤسسة رسمية تُصارع من أجل فرض كلمتها؛ وفواعل مسلحة تمتلك من العتاد والنفوذ ما يفوق أحياناً ما تمتلكه الدولة نفسها.

وقد أدرك «مكيافيلي؛ ت: 1527م؛ في كتابه - الأمير»، (أن السياسي الذي لا يمتلك أدوات القوة الفعلية، ويكتفي بحسن النية أو بشرعية الانتخاب وحدها؛ إنما يبني سلطته على الرمال؛ فالشرعية الدستورية والقانونية مهما بلغت شفافيتها لا تكفي لحماية الدولة إن لم تُسندها قوة رادعة تحمي القرار من الابتزاز الداخلي والخارجي على حد سواء)، وهذا بالضبط ما يعيشه الساسة العراقيون اليوم، من خلال: شرعية انتخابية متكررة؛ وحكومات تتشكل وفق العملية الدستورية؛ لكنها تجد نفسها في كل استحقاق مصيري؛ «إبتداءً من ترسيم الحدود إلى إدارة الثروة النفطية؛ ومن العلاقة مع دول الجوار إلى مواجهة الفساد المستشري» عاجزة عن اتخاذ القرار الحر؛ لأن ميزان القوة الفعلي يقع خارج مؤسساتها الرسمية.

طبقة سياسية

وفي هذا السياق فإن المحاصصة الطائفية والحزبية التي تحكم توزيع السلطة والثروة في العراق ليست، في جوهرها الأعمق؛ سوى تعبير عن هذا العجز البنيوي في احتكار القوة، فحين تتعدد مراكز القرار المسلح؛ تضطر الطبقة السياسية إلى مهادنة كل مركز بنصيب من الغنيمة السياسية، فتتحول الدولة من فاعل موحد إلى ساحة تتقاسمها إرادات متصارعة، ويصبح «الحكم» أقرب إلى إدارة توازنات هشة منه إلى ممارسة سيادة حقيقية، وقد لاحظ «عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز تيلي؛ ت: 2008م»، في دراسته المعروفة عن نشأة الدول الأوروبية الحديثة: (أن بناء الدولة القوية ارتبط تاريخياً بقدرتها على إخضاع كل القوى المنافسة لها داخل حدودها؛ وتحويل العنف المشروع إلى احتكار صارم بيد المركز) ، وهو المسار الذي لم يستكمله العراق بعد، فبقيت «الدولة» كياناً منقوص السيادة على أرضه، رغم امتلاكه لكل مقومات القوة الكامنة: الموقع الجغرافي، والثروة الباطنية، والعمق التاريخي والحضاري.

والخطر الأعظم في هذا الواقع أن غياب احتكار القوة الوطنية لا يترك فراغاً، بل يُستثمر فوراً من قبل قوى إقليمية ودولية تجيد توظيف الانقسام الداخلي لخدمة أجنداتها؛ فحين تضعف الدولة عن حماية قرارها بقوتها الذاتية، تصبح مسرحاً مفتوحاً لتنافس النفوذ الخارجي، ويتحول الشعب - الذي من المفترض أن تصونه الدولة - إلى وقود لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، وهنا تكمن الخطيئة الكبرى للطبقة السياسية العراقية: فهي ، في غالب الأحيان.

 اختارت الاستقواء بالخارج على الداخل، بدل أن تستثمر في بناء قوة وطنية جامعة تحمي البلاد من الابتزاز الخارجي أصلاً

إن السيادة ليست وثيقة تُرفع في المحافل الدولية، ولا خطاباً يُلقى في المناسبات الوطنية، بل هي محصّلة يومية لقدرة الدولة على فرض قانونها، وحماية حدودها، وصون قرارها من أي إملاء خارجي أو داخلي، وإن إجادة توظيف القوة «كما يقتضي المنطق السياسي الرصين» لا تعني الانغماس في القمع أو استعراض العضلات، بل تعني بناء مؤسسة عسكرية وأمنية مهنية موحدة الولاء؛ وتحصين القرار الاقتصادي من الابتزاز؛ وصون الحدود من الاختراق؛ وضمان أن يكون «الاحتكار المشروع للقوة» (بتعبير ماكس فيبر) حقيقة راسخة لا شعاراً بلا مضمون ... والله المستعان ..

 

فإذا كان لدى العراق اليوم فرصة لإعادة تعريف علاقته بذاته وبمحيطه، فإن مدخل ذلك لا يكون بمزيد من التسويات الهشة أو المصالحات الشكلية، بل بإرادة سياسية جادة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها الفاعل الأوحد المخول باستخدام القوة، والحاضنة الوحيدة لسيادة قرار لا يُشارك فيه أحد. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى عبارات السيادة والاستقلال حبراً على ورق، وستبقى حرية الشعب رهينة موازين قوى لا تملك الدولة، ولا يملك ساستها، القدرة على حسمها لصالح الوطن وحده .** دولة تستجدي سيادتها: حين يُصادَر قرار العراق باسم قوةٍ لا يملكها **

منذ أن أعلنت الدولة العراقية الحديثة عن نفسها وريثةً لحضارة امتدت جذورها إلى أرض الرافدين، ظلّت «القوة» هي المفهوم الغائب الأكثر حضوراً في خطابها السياسي، والمُغيَّب الأكثر إلحاحاً في بنيتها المؤسسية. فبينما تتغنى الطبقة السياسية بمفردات السيادة والاستقلال في كل مناسبة، تُدار شؤون البلاد فعلياً بموازين قوى لا تملك الدولة زمامها، ولا تُقرّر هي وحدها معادلاتها. وهنا بالتحديد تكمن المفارقة المؤلمة: دولة تتحدث عن السيادة بصوت عالٍ، وهي عاجزة عن احتكار أدنى مقومات القوة التي تجعل من هذه السيادة حقيقة لا شعاراً.

إن فهم القوة هو الطريق إلى إجادة توظيفها، وإجادتها هو الطريق إلى تحقيق سيادة الدولة وحمايتها وصيانة استقلالها وحرية شعبها. هذه العبارة، على وجازتها، تختصر معضلة الدولة العراقية منذ عقود: فالقوة في جوهرها ليست غاية في ذاتها، بل أداة تُصان بها الكرامة الوطنية، ويُحمى بها القرار السيادي من الاختراق، ويُضمن بها للمواطن حقه في العيش الكريم بمنأى عن الإكراه. وابن خلدون، في مقدمته الخالدة، كان قد أرسى هذا المعنى منذ قرون حين ربط قيام الدولة وبقاءها بوجود «عصبية» جامعة تمنحها القدرة على فرض إرادتها داخل حدودها، فإذا ضعفت هذه العصبية أو تصدعت، تصدعت الدولة معها ولو بقيت أجهزتها الشكلية قائمة. والعراق اليوم يعيش أزمة هذه العصبية الجامعة بامتياز؛ فالولاءات متعددة، والقرار مشتت بين مركز رسمي ومراكز موازية، والهيبة التي يُفترض أن تكون حِكراً على الدولة باتت مشاعاً بين أطراف لا تخضع جميعها لسلطانها.

 

ولعل أهم ما قدّمه الفكر السياسي الحديث في هذا الباب هو تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر للدولة بوصفها الكيان الوحيد الذي يحتكر «الاستخدام المشروع للقوة» داخل رقعة جغرافية محددة. وهذا التعريف، الذي أصبح مرجعاً كلاسيكياً في علم السياسة، لا يعني أن الدولة تُمارس القوة لذاتها أو تتوسل بها للقمع، بل يعني أن شرعية استخدام القوة يجب أن تنحصر بيدها وحدها، وأن أي اقتسام لهذا الاحتكار مع جهات أخرى - عسكرية كانت أو حزبية أو عابرة للحدود - إنما هو انتقاص مباشر من جوهر الدولة ذاته، بصرف النظر عن التبريرات التي تُساق لتغطيته. والعراق، منذ عام 2003 وتفكك مؤسسة الدولة القسرية التي وثقها الباحثون في أدبيات إعادة بناء الدول الفاشلة، لم يستعد بعد هذا الاحتكار المشروع؛ فبقيت السلطة موزعة بين مؤسسة رسمية تُصارع من أجل فرض كلمتها، وفواعل مسلحة تمتلك من العتاد والنفوذ ما يفوق أحياناً ما تمتلكه الدولة نفسها.

وقد أدرك مكيافيلي، في كتابه «الأمير»، أن السياسي الذي لا يمتلك أدوات القوة الفعلية، ويكتفي بحسن النية أو بشرعية الانتخاب وحدها، إنما يبني سلطته على الرمال؛ فالشرعية الإجرائية – مهما بلغت نظافتها - لا تكفي لحماية الدولة إن لم تُسندها قوة رادعة تحمي القرار من الابتزاز الداخلي والخارجي على حد سواء. وهذا بالضبط ما يعيشه الساسة العراقيون اليوم: شرعية انتخابية متكررة، وحكومات تتشكل وفق العملية الدستورية، لكنها تجد نفسها في كل استحقاق مصيري - من ترسيم الحدود إلى إدارة الثروة النفطية، ومن العلاقة مع دول الجوار إلى مواجهة الفساد المستشري - عاجزة عن اتخاذ القرار الحر، لأن ميزان القوة الفعلي يقع خارج مؤسساتها الرسمية.

إن المحاصصة الطائفية والحزبية التي تحكم توزيع السلطة والثروة في العراق ليست، في جوهرها الأعمق، سوى تعبير عن هذا العجز البنيوي عن احتكار القوة؛ فحين تتعدد مراكز القرار المسلح، تضطر الطبقة السياسية إلى مهادنة كل مركز بنصيب من الغنيمة السياسية، فتتحول الدولة من فاعل موحد إلى ساحة تتقاسمها إرادات متصارعة، ويصبح «الحكم» أقرب إلى إدارة توازنات هشة منه إلى ممارسة سيادة حقيقية. وقد لاحظ عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز تيلي، في دراسته المعروفة عن نشأة الدول الأوروبية الحديثة، أن بناء الدولة القوية ارتبط تاريخياً بقدرتها على إخضاع كل القوى المنافسة لها داخل حدودها، وتحويل العنف المشروع إلى احتكار صارم بيد المركز؛ وهو المسار الذي لم يستكمله العراق بعد، فبقيت «الدولة» كياناً منقوص السيادة على أرضه، رغم امتلاكه لكل مقومات القوة الكامنة: الموقع الجغرافي، والثروة الباطنية، والعمق التاريخي والحضاري.

 

والخطر الأعظم في هذا الواقع أن غياب احتكار القوة الوطنية لا يترك فراغاً، بل يُستثمر فوراً من قبل قوى إقليمية ودولية تجيد توظيف الانقسام الداخلي لخدمة أجنداتها؛ فحين تضعف الدولة عن حماية قرارها بقوتها الذاتية، تصبح مسرحاً مفتوحاً لتنافس النفوذ الخارجي، ويتحول الشعب - الذي من المفترض أن تصونه الدولة - إلى وقود لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى للطبقة السياسية العراقية: أنها، في غالب الأحيان، اختارت الاستقواء بالخارج على الداخل، بدل أن تستثمر في بناء قوة وطنية جامعة تحمي البلاد من الابتزاز الخارجي أصلاً.

 

إن السيادة ليست وثيقة تُرفع في المحافل الدولية، ولا خطاباً يُلقى في المناسبات الوطنية، بل هي محصّلة يومية لقدرة الدولة على فرض قانونها، وحماية حدودها، وصون قرارها من أي إملاء خارجي أو داخلي. وإجادة توظيف القوة - كما يقتضي المنطق السياسي الرصين - لا تعني الانغماس في القمع أو استعراض العضلات، بل تعني بناء مؤسسة عسكرية وأمنية مهنية موحدة الولاء، وتحصين القرار الاقتصادي من الابتزاز، وصون الحدود من الاختراق، وضمان أن يكون «الاحتكار المشروع للقوة» - بتعبير فيبر - حقيقة راسخة لا شعاراً بلا مضمون.

فإذا كان لدى العراق اليوم فرصة لإعادة تعريف علاقته بذاته وبمحيطه، فإن مدخل ذلك لا يكون بمزيد من التسويات الهشة أو المصالحات الشكلية، بل بإرادة سياسية جادة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفها الفاعل الأوحد المخول باستخدام القوة، والحاضنة الوحيدة لسيادة قرار لا يُشارك فيه أحد. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى عبارات السيادة والاستقلال حبراً على ورق، وستبقى حرية الشعب رهينة موازين قوى لا تملك الدولة، ولا يملك ساستها، القدرة على حسمها لصالح الوطن وحده. ** دولة تستجدي سيادتها: حين يُصادَر قرار العراق باسم قوةٍ لا يملكها **

 

 

 

 

 


مشاهدات 42
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/09/21 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 36638 الكلي 16569158
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير