الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الإعلام والإرهاب .. أين تنتهي التغطية الصحفية ويبدأ الترويج غير المقصود؟

بواسطة azzaman

بين الإعلام والإرهاب .. أين تنتهي التغطية الصحفية ويبدأ الترويج غير المقصود؟

عصام البرّام

 

 

في عالم أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ، لم يعد الإرهاب يعتمد على السلاح وحده لتحقيق أهدافه. فالصورة، والعنوان، والمقطع المصور، والتغريدة، والتغطية الإخبارية، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات ذات تأثير واسع في تشكيل وعي الجمهور. ومن هنا أصبحت العلاقة بين الإعلام والإرهاب واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العمل الصحفي المعاصر، إذ يقف الإعلام أمام معادلة دقيقة: كيف ينقل الحقيقة ويؤدي واجبه تجاه الجمهور، من دون أن يتحول، عن قصد أو من غير قصد، إلى منصة تمنح التنظيمات الإرهابية مساحة لتحقيق أهدافها الدعائية؟

المشكلة لا تكمن في تغطية العمليات الإرهابية من حيث المبدأ، فالصمت الإعلامي ليس حلًا، وحجب المعلومات عن الجمهور قد يفتح المجال أمام الشائعات والمعلومات المضللة. لكن التغطية المهنية تختلف جذريًا عن إعادة إنتاج الرسائل التي يريد منفذو الهجمات إيصالها. فالصحافة مطالبة بأن تخبر الجمهور بما حدث، وأن تضع الحدث في سياقه، وأن تشرح أبعاده وآثاره، من دون أن تمنح منفذي العنف الشهرة التي يسعون إليها أو تسمح لخطابهم بأن يتصدر المشهد.

عندما تتحول التغطية إلى جزء من المشهد

تدرك التنظيمات الإرهابية جيدًا أن تأثير الهجوم لا يتوقف عند عدد ضحاياه أو حجم الأضرار التي يخلفها. فالإرهابي يريد أن يتحدث عنه الجميع، وأن تتكرر صوره وبياناته وشعاراته، وأن يتحول اسمه إلى حديث الناس. ولذلك قد يكون الانتشار الإعلامي جزءًا أساسيًا من الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.

وهنا يواجه الصحفي تحديًا مهنيًا حقيقيًا. فعندما تنقل وسيلة إعلامية بيان جماعة إرهابية كاملًا، أو تعرض تسجيلًا دعائيًا كما هو، أو تكرر شعاراتها، أو تمنح منفذ الهجوم مساحة واسعة للحديث عن دوافعه، فإنها قد تقدم للجمهور مادة لا تكتفي بإخباره بما حدث، وإنما تساعد على نشر الرواية التي يريدها الإرهابي.

الفارق بين الخبر والدعاية يكمن في السياق وطريقة العرض. الخبر يضع المعلومات أمام القارئ لكي يفهم الحدث، بينما الدعاية تسعى إلى التأثير فيه وتوجيه مشاعره ومواقفه. ولذلك فإن نقل معلومة صحيحة لا يعني بالضرورة أن طريقة تقديمها كانت مهنية. فقد تكون المعلومة صحيحة، لكن اختيار صورة صادمة أو عنوان مثير أو مقطع دعائي طويل قادر على تحويلها إلى مادة تخدم أهداف الجهة التي نفذت الجريمة.

وتزداد خطورة هذه المسألة في وسائل الإعلام الرقمية، حيث أصبحت المنافسة على جذب الانتباه شديدة. فالعنوان المثير قد يجلب زيارات أكثر، والصورة الصادمة قد تحقق انتشارًا أكبر، والمقطع القصير قد ينتشر على منصات التواصل خلال دقائق. لكن الصحافة لا ينبغي أن تقيس نجاحها بحجم التفاعل وحده، خصوصًا عندما يكون هذا التفاعل قائمًا على الخوف أو الفضول أو إعادة تداول المحتوى الذي صنعه الإرهابيون أنفسهم.

العنوان والصورة.. تفاصيل قد تصنع فرقًا كبيرًا

في تغطية الأحداث الإرهابية، لا تقل التفاصيل البصرية واللغوية أهمية عن المعلومات نفسها. فاختيار صورة منفذ الهجوم بصورة بطولية، أو تكرار مشاهد العنف والدمار بلا ضرورة تحريرية، يمكن أن يمنح الجاني حضورًا يتجاوز حجم الحدث نفسه. وفي بعض الحالات، قد تتحول صورة واحدة إلى رمز تستخدمه الجماعات المتطرفة في دعايتها، خصوصًا عندما تُعرض بطريقة تمنح صاحبها شهرة أو هالة درامية.

كما أن العناوين تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الانطباع الأول لدى القارئ. فالعنوان الذي يركز على شخصية الإرهابي وشعاراته قد يمنحه مساحة لا يستحقها، بينما يستطيع العنوان المهني أن يركز على الحدث والضحايا والنتائج والتحقيقات، من دون تجاهل المعلومات المهمة.

وهذا لا يعني إخفاء هوية منفذي العمليات أو التعتيم على الحقائق. بل يعني وضعها في إطار يخدم المصلحة العامة. فمعرفة من ارتكب الجريمة قد تكون مهمة، لكن تحويل اسمه إلى عنوان متكرر، أو إعادة نشر صوره بصورة مستمرة، قد يحقق له جزءًا من الغاية التي أرادها عندما ارتكب الجريمة.

وتتطلب المهنية أيضًا التعامل بحذر مع المعلومات غير المؤكدة، خصوصًا في الساعات الأولى من وقوع الهجمات. ففي تلك اللحظات تنتشر الشائعات بسرعة، وقد تتضارب الروايات حول عدد الضحايا أو هوية المنفذين أو دوافعهم. وإذا سار الإعلام خلف كل معلومة متداولة على مواقع التواصل، فقد يتحول من مصدر للتحقق إلى أداة لتوسيع دائرة التضليل. الصحفي هنا ليس مطالبًا بأن يكون الأسرع دائمًا، وإنما بأن يكون الأكثر دقة. فسبق النشر الذي يتبين لاحقًا أنه خاطئ قد يسبب ضررًا أكبر بكثير من التأخر دقائق أو ساعات للتحقق من المعلومة.

الصحافة المهنية في مواجهة الدعاية الإرهابية

إن أفضل وسيلة لمنع تحول التغطية إلى ترويج غير مقصود ليست تجاهل الإرهاب، وإنما تغطيته بطريقة أكثر وعيًا ومسؤولية. الصحافة تستطيع أن تقدم للجمهور صورة شاملة عن الجريمة، وأن تمنح الأولوية للضحايا والمجتمع والحقائق، وأن تشرح كيف تعمل الدعاية المتطرفة، بدلًا من أن تصبح ناقلًا لها.

وتكتسب لغة الصحفي أهمية خاصة في هذا السياق. فالكلمات ليست محايدة دائمًا، وبعض المصطلحات قد تحمل ضمنيًا قبولًا برواية الجماعة الإرهابية. لذلك يحتاج الصحفي إلى استخدام لغة دقيقة تصف الفعل كما هو: جريمة إرهابية، استهداف للمدنيين، اعتداء، أو قتل متعمد، بدلًا من تبني المصطلحات التي تحاول الجماعات من خلالها تجميل العنف أو منحه شرعية أخلاقية.

كما أن تغطية الإرهاب يجب ألا تختزل المجتمع في لحظة الخوف. فالإرهاب يريد أن يخلق شعورًا بأن الحياة الطبيعية مستحيلة، وأن المجتمع عاجز، وأن الخوف أقوى من الدولة والمؤسسات. أما الإعلام المسؤول فيستطيع أن يقدم الرواية المضادة من خلال إظهار قدرة المجتمع على الصمود، وتسليط الضوء على جهود الإنقاذ، ودعم الضحايا، وتفنيد الشائعات، وشرح الحقائق بعيدًا عن التهويل.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد مسؤولية التغطية تقع على غرف الأخبار وحدها. فكل مستخدم أصبح قادرًا على نشر صورة أو مقطع أو معلومة، وقد تتحول إعادة المشاركة إلى جزء من حملة دعائية واسعة. لذلك أصبحت التربية الإعلامية والوعي الرقمي ضرورة، حتى يدرك الجمهور أن إعادة نشر محتوى إرهابي بحجة التوثيق قد تساعد على انتشاره بدلًا من مواجهته.

لذا، لا تكمن المشكلة في أن يتحدث الإعلام عن الإرهاب، بل في الطريقة التي يتحدث بها عنه. فالإعلام المهني لا يخفي الحقيقة، لكنه لا يسمح أيضًا لمن ارتكب الجريمة بأن يتحكم في شكل الرواية التي تصل إلى الجمهور. وبين حق المجتمع في المعرفة وخطر تحويل الجريمة إلى عرض إعلامي، توجد مسؤولية مهنية وأخلاقية يجب أن يدركها كل صحفي.

فالخبر الناجح ليس بالضرورة الأكثر إثارة، والصورة الأكثر انتشارًا ليست بالضرورة الأكثر قيمة، والسبق الصحفي لا يبرر التضحية بالدقة أو المسؤولية. وفي مواجهة الإرهاب، تصبح الصحافة مطالبة بأن تؤدي دورها الأساسي: إخبار الناس بالحقيقة، ووضعها في سياقها الصحيح، وحماية المجال العام من التضليل، من دون أن تتحول، ولو عن غير قصد، إلى مكبر صوت لمن يسعى إلى نشر الخوف والكراهية.

إن المعركة ضد الإرهاب لا تدور في الميدان وحده، بل تدور أيضًا على مستوى الرواية والصورة والمعلومة. وإذا كان الإرهابي يسعى إلى صناعة الخوف، فإن الصحافة المهنية تستطيع أن تصنع الوعي. وبين الاثنين يتحدد الفارق بين تغطية تكشف الجريمة وتغطية تمنحها حياة إضافية.

 


مشاهدات 47
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/09/19 - 2:32 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 3:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 280 الشهر 31528 الكلي 16564048
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير