الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الخطوط الحمراء

بواسطة azzaman

الخطوط الحمراء

هدى زوين

 

في كل مجتمع، ثمة حدود لا تُرى، لكنها موجودة. لا تُكتب في القوانين دائمًا، ولا تُعلّق على الجدران، وإنما تستقر في الوعي بوصفها فاصلًا بين ما يمكن قبوله وما ينبغي التوقف عنده.

غير أن أخطر ما يحدث للحدود أنها لا تسقط دفعة واحدة؛ يكفي أن تتكرر الاستثناءات حتى تفقد القاعدة هيبتها، وأن يتكرر الصمت حتى يبدو الاعتراض ضربًا من المبالغة.

هكذا تبدأ المسافة بين المبدأ والممارسة بالاتساع.

يتغير الاسم أولًا، ثم يتغير المعنى. ما كان تجاوزًا يصبح «تصرفًا شخصيًا»، وما كان موضع مساءلة يصبح «شأنًا خاصًا»، وما كان يثير الريبة يصبح مألوفًا لكثرة ما تكرر. وحين تتبدل اللغة، قد تتبدل معها قدرة المجتمع على رؤية الأشياء كما هي.

ولعل أكثر المناطق التباسًا تلك التي يقف فيها الظاهر أمام الخفي.

فليس كل بريق دليلًا على الثراء، ولا كل ثراء دليلًا على فساد، كما أن المظهر لا يكفي وحده لصناعة الحقيقة. لكن حين تتسع المسافة بين ما نعرفه وما نراه، يصبح السؤال الطبيعي جزءًا من مسؤولية الوعي، لا فعلًا من أفعال الاتهام.

هناك أشياء لا تحتاج إلى ضجيج كي تُفهم، وإنما تحتاج إلى شفافية.

عقل استثماري

فالمال، في ذاته، لا يحمل فضيلة ولا إدانة؛ الذي يمنحه دلالته هو الطريق الذي مرّ منه. قد يكون ثمرة تعب طويل، أو عقل استثماري، أو فرصة مشروعة، وقد يكون نتيجة مسار آخر لا يظهر في الحسابات المعلنة. وبين الاحتمالين لا ينبغي للعاطفة أن تحكم، بل للوقائع أن تتحدث.

المشكلة تبدأ حين يصبح السؤال محرّمًا قبل أن تكون الإجابة موجودة.

وحين تتحول المكانة إلى ستار، والامتياز إلى حصانة، والسكوت إلى نوع من التواطؤ الاجتماعي غير المعلن، فإن الخط الأحمر لم يعد متعلقًا بفرد بعينه، بل بقدرة المجتمع على حماية معاييره من التآكل.

ربما لا يكون أخطر الفساد هو ذلك الذي يختبئ في الظلام، بل الذي يتعلم كيف يقف تحت الضوء دون أن يلفت الانتباه.

ولهذا، فإن الحدود الحقيقية ليست تلك التي نرسمها حول الآخرين، بل تلك التي نرفض تجاوزها حين تكون المصلحة لنا، وحين لا يكون هناك شاهد، وحين يصبح الصمت أكثر راحة من الحقيقة.

فالأشياء لا تُقاس دائمًا بما تبدو عليه، ولا الأشخاص بما يملكونه، ولا النجاحات بما تتركه من انطباع.

ثمة سؤال يبقى خارج الصورة، لا يملك أحد حق مصادرته:

حين يبــــــــدو كل شيء في مـــــــكانه... من يجرؤ على السؤال عمّا يقف خلف المشهد؟

 

 


مشاهدات 40
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/09/21 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 36638 الكلي 16569158
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير