الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صرخة في وجه النسيان.. الفنان بين عتب الجحود وإهمال الدولة

بواسطة azzaman

صرخة في وجه النسيان.. الفنان بين عتب الجحود وإهمال الدولة

بغداد - رياض محسن المحمداوي

حين يمر الفنان العراقي الذي أفنى عمره ورسم الابتسامة على شفاه شعبه بضائقة صحية ومالية قاسية. فإن صرخات الألم لا توجع بقدر ما يوجعها ذلك الجحود المطبق. يواجه الفنان إهمالاً واضحاً وغياباً تاماً لأي اهتمام أو رعاية حقيقية من قبل الجهات المعنية والحكومية في العراق. رغم تاريخهم الطويل في رسم الابتسامة وإسعاد الجمهور. للأسف. يعاني من شعور بالقهر نتيجة تخلي الوسط الفني والجمهور عنه وعدم إطلاق حملات إنسانية واسعة النطاق لإنقاذ حياته وتوفير العلاج اللائق له. بعد أن كان وفياً لفنه ولمحبيه طوال مسيرته. ولعل قصة الفنان العراقي علي طاهر (علي طويرة). الذي يقارع اليوم مرارة الشلل النصفي على فراش المرض دون رعاية حقيقية، ليست سوى نموذج حي وصارخ لمأساة أمة تقتل رموزها ببطء شديد عبر الإهمال والنسيان. لم يكن الفنان علي طاهر الأول ولن يكون الأخير. بل هي مأساة ممتدة وليست استثناءً. فمئات الفنانين والمثقفين العراقيين رحلوا تباعاً في ظل غياب تام لأي عناية طبية من الدولة. بعد أن بُحت أصواتهم وهم يطلقون المناشدات تلو المناشدات لإنقاذ حياتهم. لتبقى صرخاتهم تتردد في صدى جدران الصمت. دون أن يلتفت إليهم أحد من الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 ولحد الان أو حتى من جماهيرهم التي أحبوها.فهناك مفارقة كبيرة بين أن الشعب العراقي »الفزّاع» والخذلان الجماعي. فمن المحزن حقاً في هذه المعادلة أن الشعب العراقي بطبعه شعب «فزّاع» للخير سباق للمواقف الإنسانية الكبرى ويمتلك قلباً نابضاً بالشهامة والكرم ولو أن كل مواطن عراقي تبرع بـ «دينار واحد فقط». لتم إنقاذ حياة المئات من الفنانين والمثقفين الذين ماتوا حسرة وألماً وهم يعانون المرض والعوز والفاقة دون أن يمد لهم يد العون لإنقاذ حياتهم. وهذا يضعنا أمام تناقض صارخ:جمهور معطاء بطبعه. لكنه غفل أو غُيّر مساره عن التفاتة واجّة لرموزه الإبداعية. يكتفي أفراده بالفرجة أثناء المرض. وما إن يُعلن عن رحيل أحدهم حتى تتزاحم كلمات التعازي والأسف في جميع مراكز التواصل الاجتماعي. وكأن الفنان لا يستحق الحياة والكرامة إلا جثة هامدة في نعش!. أما على مستوى الدولة والجهات الرسمية فالأمر يبدو أكثر قتامة وعمقاً. يبدو واضحاً أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 ولحد الآن تتعامل مع شريحة الفن والثقافة وكأنها« ورم خبيث « يجب استئصاله بكل السبل. المفارقة المؤلمة تكمن في أن الأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي ترفع شعارات دينية وأخلاقية براقة (الحلال والحرام). بينما تسجل نسب الفساد في صفوفها أرقاماً كارثية. علمآ ان الفنان والمثقف العراقي هم اقرب منهم الى الله . لكونهم شريحة أحبوا الوطن واخلصوا له بكل الاوقات واحلك الظروف.  وعلى الرغم من أن الدستور العراقي كفل صراحة مدنية الدولة وتعددية الأديان. وعدالة توزيع الثروة وضمن حقوق كل شرائح المجتمع بالعيش الكريم. إلا أن هذه البنود بقيت «حبراً على ورق» عندما يتعلق الأمر بالفنان والمثقف العراقي الذي يُعامل كمواطن منبوذ خارج أسوار الرعاية الوطنية والإنسانية. ورغم أن جهود نقابة الفنانين استثنائية وسط فراغ مالي واضح في خضم هذا الخراب.

ولا يقف الأمر عند حدود العلاج والتقاعد للفنان بل يمتد إلى أصل الكرامة اليومية المتمثلة في حماية رزق الفنان وعدم محاربته في لقمة عيشه. ولتحقيق ذلك. لابد من تنظيم حكومي دقيق يضع حداً للفوضى والعشوائية. وذلك عبر تشكيل «دائرة التصاريح الخاصة» ترتبط مباشرة بمكتب رئاسة الوزراء.

تكون هذه الدائرة لجنة مشتركة تضم ممثلين تتبدل عضويتهم شهرياً من وزارات: الداخلية، الصحة، والثقافة والسياحة، وبعضوية دائمة ومؤثرة من نقابة الفنانين العراقيين. لتكون هي الجهة الحصرية والوحيدة المعنية بمنح التصاريح الخاصة بإقامة الحفلات، الأعراس، الأنشطة في المطاعم، النوادي، التجمعات الاحتفالية، والفعاليات العامة والترفيهية. في كافة أنحاء العراق.

آلية العمل

يعتمد النظام على استخراج تصريح أمني وفني رقمي عبر منصة حكومية ذكية. يوثق أسماء وصور الفنانين والمصورين وكافة المعنيين بالنشاط.و تستحصل لقاء هذه التصاريح رسوم مالية تدخل لخزينة الدولة. وتُصرف نسبة منها لدعم نقابة الفنانين كمساعدة حكومية سنوية منتظمة. عبر المنصة الرقمية الإلكترونية الدفع والاصدار تفاديآ لاي وجهات فساد إداري أو مالي.تكون هذه الجهة وحدها المخولة قانوناً بإغلاق الأماكن أو تقييم شرعية عملهارسميآ. مما يمنع أي جهة رسمية أو غير رسمية من ابتزاز هذه الأماكن و الفنانين أو إغلاق أماكن عملهم تعسفياً إلا بموافقة هذه اللجنة الرسمية المنظمة.

إن هذه التنظيمات الحضرية هي ما تفعله الدول المتقدمة للحفاظ على وجهها السياحي والحضاري والامني ورعاية مواهبها. بل إن بعض الدول تذهب لأبعد من ذلك بمنح الفنانين «الإقامات الذهبية» لضمان بقائهم وعطائهم وازدهار المجتمع والثقافة والسياحة بابداعهم.

*إن ما يمر به الفنان علي طاهر وغيره يؤكد أن الخلل بنيوي وممنهج. لقد رفعت نقابة الفنانين مناشداتها مراراً وتكراراً لمجلس النواب لإقرار قانون تقاعد الفنان والضمان الصحي والاجتماعي.وحمايته من الفقر والعوز  ولكن دون جدوى تُذكر. والمأساة تتكرر كل يوم دون حلول تذكر.فإن لم تكن هناك استجابة حكومية حقيقية. فستكون هناك وقفات احتجاجية كبيرة وإضراب عام للثقافة والفن في العراق للمطالبة بهذه الحقوق المشروعة.التي زمنها الدستور العراقي لكل العراقيين.

ومن هنا. نوجه نداءً مباشراً ومسؤولاً إلى وزيرة الثقافة سروه عبد الواحد.لكونها الوزارة المعنية بالثقافة والفنون. وإلى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي. لسرعة حسم هذه المسألة الوطنية الإنسانية الملحة. فصوت الإبداع إن توقف عن العزف أو أطبق عليه الصمت. فلن يكون صمتاً عادياً. بل صرخة مدوية توقظ الضمائر.

فقد آن الأوان لإنصاف الفنان والمثقف العراقي بتشريع قانون التقاعد والتأمين الصحي. وتنظيم بيئة عمله. وحفظ كرامته وعائلته الإنسانية. فالعراق الذي أنجبت أرضه الحرف والنغم. منذ آلاف السنين قادرٌ حتماً على حماية أبنائه الأوفياء. ولن يكون مرهون بمواجهات أصحاب العمائم وعصابات السلاح المنفلت. فيجب أن يكون هنالك حلا حكومي شجاع حاسم

قبل أن يتحول تاريخنا الثقافي إلى مجرد صفحة باهتة خاضع لفتاوى الجهل والتطرف والتعصب. وينطوي إلى الابد في دفاتر النسيان.

                الفنان في سطور

يُعد الفنان الراحل علي طاهر المعروف شعبياً بلقب «علي طويرة»، أحد أبرز وجوه الكوميديا والفن الشعبي ومن اجمل الاصوات الريفية في العراق. انطلق في مشواره الفني منذ تسعينات القرن الماضي .وقد عُرف بقربه من الشارع العراقي وقدرته الفريدة على خلق الابتسامة عبر خفة ظله بأسلوب طريف وساخر. لامس وجدان الجمهور.شارك العديد من المسرحيات والبرامج الترفيهية التي اعتمدت على الكوميديا والمواقف الساخرة النابعة من الواقع العراقي.ومن أشهر أعماله التلفزيونية برنامج «أكو فد واحد»: يُعتبر من أبرز من أكثر البرامج شهرة والذي عرض على الفضائية»السومرية.اعتمد البرنامج على الأجواء الفكاهية واستضافة شخصيات فنية وثقافية. وتقديم فقرات من النكات والمواقف الطريفة بمشاركة الجمهور.

 


مشاهدات 58
أضيف 2026/09/21 - 1:48 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 36717 الكلي 16569237
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير