السياسة الخارجية العراقية.. غياب الاسبقيات السيادية والحياد القلق
حميد شهاب احمد
تكمن إشكالية السياسة الخارجية العراقية من أنها واقعة بين المطرقة والسندان ، من إنها إشكالية ليست ظرفية فقط ، بل هيكلة مركبة ، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية :
١ ) ازدواجية مركز القرار ( الدولة مقابل الفاعلون من غير الدولة ) :
— العراق لا يحتكر بالكامل قرار السلم والحرب .
— وجود فصائل مسلحة ذات ارتباطات إقليمية يجعل السياسة الخارجية غير منضبطة بوحدة قرار سيادي .
— وجود رسائل متناقضه داخل الدولة العراقية من خلال :
٠ الدولة تعلن الحياد أو التهدئة .
٠ بعض الفصائل تنخرط عمليا في التصعيد .
وفي النتيجة تفقد الدولة مصداقيتها .
٢ ) التبعية الأمنية مقابل الترابط الجيوسياسي
— العراق يعتمد جزئيا على الولايات المتحدة في الآتي :
٠ التدريب .
٠ الاستخبارات .
٠ الدعم الجوي .
— وفي الوقت نفسه يرتبط إستراتيجيا بإيران
٠ جغرافيا .
٠ اقتصاديا (الطاقة) .
٠ سياسيا ( التأثير داخل النظام السياسي العراقي ) .
وبالنتيجة تولد هذه التبعية المزدوجة تناقضاً وظيفياً بحيث أن العراق لا يستطيع الانحياز ولا يستطيع الحياد الكامل .
٣ ) ضعف الأدوات الدبلوماسية الفاعلة .
— العراق يميل إلى الدبلوماسية الدفاعية (رد الفعل) وليس المناوره .
— رغم امتلاكه فرصة أن يكون وسيطاً ، إلا أن الانقسام الداخلي وضعف الرؤية الاستراتيجية يمنعانه من لعب دور إقليمي مؤثر .
٤ ) هشاشة الداخل وانعكاسه على الخارج انطلاقاً من كون انعكاس السياسة الداخلية على السياسة الخارجية والعكس صحيح :
— أي تصعيد خارجي ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي والاقتصاد والأمن .
— لذلك تميل السياسة الخارجية العراقية إلى تجنب المخاطر بأي ثمن حتى لو كان على حساب وضوح الموقف .
كما أن الدليل على ما تم ذكره هي المؤشرات الآتية :
الخطاب المزدوج :
— هناك بيانات رسمية تؤكد على السيادة ، ورفض استخدام الأراضي العراقية للعدوان على الدول الجوار .
— مقابل واقع ميداني يؤشر لنشاط الفصائل المسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة .
٢ ) الضبط الانتقائي للتصعيد :
— الحكومة تحاول احتواء الضربات ومنع توسع دائرة الحرب لكنها لا تستطيع فرضها الاحتكار الكامل للقوة .
٣ ) دبلوماسية التوازن الحذر :
— علاقات مستقرة مع واشنطن .
— قنوات مفتوحة مع طهران .
— خطاب < عدم الانخراط في الصراع ) .
وهذا يمكن تسميته بالحياد القلق وليس الحياد الفاعل .
٤ ) تحول العراق إلى ساحة للصراع وليس لاعباً ، فبدلاً من أن يكون وسيطا ، أو صانع توازن أصبح ساحة رسائل متبادلة بين القوى الكبرى ، أو القوى المتصارعة .
ويمكن تلخيص هذه الإشكالية الجوهرية ، من أنها ليست فقط بسبب الضغط الخارجي ، بل في عدم اكتمال بناء الدولة كفاعل سيادي موحد في السياسة الخارجية ، فلذلك غابت قدرتها في التحول من موقع التأثر إلى موقع التأثير .
هذا ويمكن تلخيص أسباب وقوع السياسة الخارجية العراقية بين المطرقة والسندان مما أدى إلى ضبابية الموقف وعدم الوضوح لدور العراق للأحداث الأخيرة وهو :
١ ) عدم وحدة القرار السيادي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي .
٢ ) تبنى العراق الحياد السلبي بدلا من الحياد النشط ، إذ مارس العراق حياداً دفاعياً < تفادي المشاكل > ، لكن كان المطلوب أن يتبنى الحياد النشط من خلال عرض الوساطة بشكل مستمر ، واستضافة حوارات غير معلنة ولعب دور < قناة خلفية > بين الخصوم ، بمعنى الانتقال من دولة تخشى الصراع الى دولة تدير التوازن .
٣ ) كان على العراق أن يعيد تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ ليس المطلوب قطع العلاقة ولا التبعية ، بل تحويلها من علاقة أمنية فقط إلى علاقات اقتصادية وتكنولوجيا أيضا ، مع تقليل الطابع العسكري الظاهر ، لانه يستفز الداخل ، ويستثمر من قبل الخصوم .
٤ ) عدم إعادته لتنظيم العلاقة مع إيران :
إن العراق لا يستطيع فك الارتباط مع إيران ، فلذلك ومن الواقعية هو تقنين النفوذ الإيراني لا مواجهته ، مع وضع حدود غير معلنة بما هو مسموح به أو ما هو الممنوع عنه . فعلى سبيل المثال منع استخدام العراق كساحة صراع مباشر ، وضبط تحركات الفصائل ضمن سقف الدولة. وهنا يتطلب الأمر تفاهمات صامتة أكثر من إعلانات صاخبة .
٥ ) ومن هذه الأسباب أيضا هو أن العراق لم يعمل على تقوية الداخل ، فلو كان الداخل قويا لكانت سياسته الخارجية قوية وأكثر وضوحا ، فدولة الضعيفة داخليا لا تستطيع أن تكون متوازنة خارجيا .
٦ ) عدم تنويع العراق لشركائه الدوليين، فهو لم يقدر على كسر ثنائية واشنطن وطهران .
٧ ) عدم قدرته على منع التصعيد في المنطقة . نعم أن العراق لا يستطيع منع الصراع الإقليمي لكنه كان بمقدوره تقليل آثاره ومحاولة تجنب الحرب أو الحد من آثارها من خلال قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف < عدا الكيان الصهيوني > وأن تكون استجابته سريعة داخل أراضيه .
وخلاصة القول أن الخروج من < المطرقة والسندان > لا يتم عبر الانحياز أو القطيعة بل عبر معادلة دقيقة :
ضبط الداخل+ توازن الخارج + توسيع الخيارات = سيادة تدريجية
وبل أمكان في حالة توفر هذه الشروط، فإن العراق ممكن أن يتحول من ساحة صراع إلى منطقة عازلة نسبيا .
ويبقى سؤال يطرح نفسه ، وهو هل من الممكن أن يتخلص العراق من كل هذه المعوقات والتحديات ، والجواب على ذلك بنعم ، وممكن تناولها وتحديدها ولكن من خلال قراءة سيادية وطنية منصفة .