الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشعر التركماني العراقي كما لم نعرفه  !


الشعر التركماني العراقي كما لم نعرفه  !

محمد حسين الداغستاني

   

إنضَم الى المكتبة العربية والتركمانية في العراق منجز أدبي مهم باللغة العربية للدكتور فاروق فائق كوبرلو  حمل اسم  "  الشعر التركماني العراقي بين الموروث القديم والمذاهب الحديثة “ - دار رؤى ٢٠٢٥ م -   والذي يأتي ضمن 54  مؤلفاً له في مختلف الفنون الأدبية

      الكتاب  يضم ستة مباحث تناول المؤلف فيها 12 مذهباً أدبياً مثل المذاهب التقليدية  كالكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية والسريالية والوجودية..وغيرها ، وقد  صنف المؤلف كماً كبيراً من نتاجات ونصوص الشعر التركماني وفق هذه المذاهب  وهو أمر لم يسبق التطرق إليه في الأدبيات التركمانية  ، كما انه أقرّ بتنوع اسهامات  النتاج الإبداعي التركماني عبر تأريخه  في توظيف المذاهب الأدبية  للتعبير والإبداع الأدبي.

 

ريادة الشعر الحر في العراق تركمانية

  من المدهش فعلاً أن يتناول الدكتور كوبرلو العمق التاريخي للشعر التركماني ليشير بهذا الصدد الى مثنوية (ده ده قورت) وهي الملحمة التي تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي  الى جانب عشرات الشعراء التركمان الذين نظموا قصائدا كلاسيكية تقليدية  كشعر الديوان والهجا  كما واستشهد بمقولة الباحث العلامة التركماني الكبير عطا ترزي باشي  (بأن التركمان هم أصحاب الريادة في قول الشعر الحر في العراق وذلك من خلال قصيدة (الحياة) للسيد عزيز سامي (1987-1897م) والمنشورة في جريدة (حوادث) الإسبوعية  في عددها الصادر في تشرين الثاني من العام  1915م.  والتي نشرت  تحت عنوان (النظم الحر). ثم يضيف العلامة ترزي باشي أن (قصيدة عزيز سامي ستبقى الأثر الأول للشعر الحر التركماني في العراق حتى يظهر دليل جديد يخالف ذلك. وبهذا الدليل تقطع جهيزة  كل خطيب في الخلاف الحاصل حول هذه الريادة بين السياب ونازك الملائكة).

 

الشعر التركماني وَمذهبا البرناسية والسريالية

      لقد تناول كوبرلو في الكتاب عشرات النصوص الشعرية  للشعراء التركمان  من الرواد وجيل الشباب المتأثرين بمختلف المذاهب الأدبية  التقليدية الشائعة،  لكن القارئ يتوقف ليتمعن ملياً في شعر عدد من الشعراء التركمان الذين ادرج المؤلف نتاجاتهم الشعرية تحت مسمى المذهب البرناسي !  وأتذكر بهذا الصدد انني قرأت مؤخرا مقالة للدكتورة  يسري عبدالغني في العدد الأخير من مجلة دراسات نقدية تحت عنوان ( المذاهب الأدبية الغربية والأدب العربي الحديث) قالت فيها : يحكى أن أحد النقاد قابل واحداً من الأدباء فقال له في حماس شديد : لقد قرأت عملك الأخير ، إنك أفضل من عبر عن البرناسية !! ، فنظر إليه الأديب بدهشة تعبر عن عدم فهمه لما يقول، قائلاً له: أرجو أن تحدثني باللغة العربية .. !!).

     للتعريف بالمذهب البرناسي يقول الدكتور كوبرلو : انه بعد أفول مذهب الرومانيكية في الآداب الكبرى الأوروبية لأسباب فلسفية أو اجتماعية  ظهر المذهب البرناسي في منتصف القرن التاسع عشر، والبرئاسية نسبة الى جبل (بارناس) باليونان وقد قامت هذه المدرسة على أساس فلسفي مزدوج بين الفلسفة المثالية الجمالية والفلسفة الواقعية التجريبية، وهذا المذهب يهمه الفرد والذات ، ويدعو الى الوصف الموضوعي الشفاف ، ويعتني بالصورة الشعرية وصياغتها مع ضرورة توافر الموضوعية التوصيفية في تلك الصورة…)   ويضيف : (وهو مذهب قديم،  عبّر عن ذاته في القرن التاسع عشر على يد (بودلير) و( الوكونت) و (بيتو) قبل (جوت). وأشار  الى أنه ثمة شعراء تركمان  مارسوا كتابة قصائدهم  وفق هذا المذهب  وخير من مثله الشاعر قاسم عزیز آق بايراق  (۱۹۵۹م)  والذي تلونت قصائده بتيارات فكرية حديثة مطرزة أحيانا بشيء من الغموض والترميز والتغريب بحيث تخرج مفرداته بما يشبه اللحن الجنائزي والمحتوى الانفعالي ومما يمكن تمثيله في هذا الصدد بجزء من قصيدته  (نحن الموجودين) :

نغمة تالفة وفي حضرتها

 أنشطر إلى ملايين الذرات

وأعود الى التراب

وإلى أصلي الأزلي

الأوساخ كالأشباح

    كذلك يدرج  كوبرلو بعض نصوص الشاعر (قره وهاب) البرناسية المليئة بالصور الشعرية ذات الوحدة العضوية في مشهده الشعري حيث تنتعش به المفردات مع الرموز الى جانب  الإيقاع الغنائي الداخلي  :

الحسرة … تتوالى على مخالب الموت

بعدما غرستُ على مشارفه

جنبدة.. مغتثاً

تداهم مخيلة الإنسان

يحط في حدقة الكون !

     اما في الشعر السوريالي فيتناول الكتاب الشاعر التركماني الشهيد جاسم محمد فرج (1970- 2013م) والذي يراه متأثراً بنهج شعراء من أمثال (بلزاك) و (آلان جان بؤ) مقتفياً أساليب المذهب والخروج عن المألوف بصبغة حدثاوية  مبهرة وبالخاصة في  ديوانه المطبوع (بوابة الورد). يقول في قصيدته (أكشن)  :

صوروني أنا واقف مثل نخلة تركمانية

 الهارب من مدينة العسل

إلى حزب الذباب

صوروني قبل أن تتقطع عظامي

وتتغير خارطة وجهي !

 

الحركة الإحيائية في الأدب التركماني

   كذلك تناول الكتاب نماذج عديدة من الشعر التركماني الصوفي والرمزي والعبثي فيما افرد بحثاً للحركة الإحيائية في الأدبين العربي والتركماني  والتي أولت إهتماماً واضحا بالتراث وتجديد وسائل التعبير وخاصة على أيدي احمد شوقي والبارودي في الشعر العربي الحديث والشاعر التركماني الدكتور عبد الخالق البياتي (١٩٣٠ كركوك) وفيما يلي جزء من قصيدته (قريتنا) :

ولدت في قرية اسمها (ينكيجة)

كانت أمي كل مساء تستقبل العشاء

إنا بالخبز وكده

وإما بالخبز واللبن

كانت طيور السنونَو تطير الى مكان قريب

وتهبط في مكان قريب

( أسطة حسن الليلاني ،

كان باسلاً قد حارب في القفقاس!

     ورغم فرادة وثراء الكتاب واضافته النوعية الى المكتبة العربية والتركمانية  إلاّ انه يفتقر الى التصميم الجمالي الاحترافي كما انه يحتاج إلى مراجعة طباعية ولغوية لكي يستقيم المقصد

     يرى الناقد الكبير عز الدين إسماعيل (أن التجربة الشعرية رغم تباين الأساليب فهي بالنهاية  تجمع بين البعد الجمالي والبعد القومي، وأن الوعي الوطني يمثل أحد أهم منابع الإبداع)  وهذا ما أراد الدكتور فاروق فائق كوبرلو التأكيد عليه عبر إيراد اسماء  العشرات من الشعراء التركمان  قديمهم وحديثهم مع إنتقاء نماذج ونصوص َمختارة من اشعارهم وفق مختلف الأساليب والمذاهب الأدبية وذلك  بقصد التعبير في النهاية عن قضية شعبهم التركماني  وإنتمائهم الوطني للعراق  .


مشاهدات 31
الكاتب محمد حسين الداغستاني
أضيف 2026/07/18 - 1:48 AM
آخر تحديث 2026/07/18 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 18716 الكلي 15923843
الوقت الآن
السبت 2026/7/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير