في أفق ما بعد النقد.. القراءة السطحية والحياد الآلي وأخلاقيات الانتباه
عادل الثامري
مقدمة
يمثل التحول المعاصر نحو "ما بعد النقد" (Post-Critique) انعطافة معرفية ترفض "تأويلية الشك" التي جعلت من الناقد الأدبي محققاً أيديولوجياً يبحث حصراً عن الأكاذيب والمضامين المكبوتة خلف النص. وفي قلب هذا التيار، لم تعد "القراءة السطحية" (Surface Reading) ، كما صاغتها شارون ماركوس وستيفن بيست ، مجرد أداة لوصف ما هو متاح على السطح النصي بدقة وموضوعية، بل تحولت في أطروحات ماركوس اللاحقة وسجالاتها حول المنهج الى أفق أوسع يعيد التفكير في "أخلاقيات الانتباه" و"سياسات الحقيقة". ففي عالم أصبحت فيه آليات الهيمنة والعنف واضحة ومكشوفة لا تحتاج إلى تفكيك أو نزع قناع، تكتسب المناهج الحاسوبية والوصفية شرعيتها؛ ليس لاستبدال ذاتية الناقد بآلية باردة، بل لتوسيع قدرة العلوم الإنسانية على رصد الواقع والشهادة عليه دون السقوط في فخ الإدانة المتسرعة أو المدح الزائف. إن الاستعانة بالبيانات الضخمة والآلة هنا لا تعني الاستسلام لـ "وضعية نيو-إيجابية" تلغي السياسة، بل تعني تبني "حياد وصفي راديكالي" يتأمل القيود التي تشكل الوجود البشري ويحترم المادة الثقافية بوصفها أثراً إنسانياً يستحق الفهم قبل الحكم.
أولاً: حين تصبح الأيديولوجيا مكشوفة على السطح
عقود طويلة هيمنت فيها "تأويلية الشك" على المشهد النقدي، حيث تكرس دور الناقد بوصفه "مُحقّقاً أيديولوجياً" أو طبيباً نفسياً وظيفته الأساسية هي استنطاق النص وانتزاع اعترافاته والبحث عن المسكوت عنه والمكبوت خلف السطور. لكن هذا النموذج النقدي واجه مأزقاً أبستمولوجياً حاداً في السياق المعاصر؛ في كتابها التأسيسي حدود النقد (The Limits of Critique)، تُفكك الناقدة ريتا فيلسكي (Rita Felski) هذا "المزاج السلبي" السائد في الأكاديميا، جاهدةً في تبيان أن النقد التفكيكي والشك الدائم يُغلق الكثير من القراءات المحتملة الأخرى المليئة بالدهشة والارتباط العاطفي والنفعي بالنصوص (Felski, 2015). وتضيف ماركوس في سجالاتها اللاحقة أن السلطة، والظلم، وآليات الهيمنة الرأسمالية والسياسية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعمل في خفاء أو ترتدي أقنعة تحتاج من الناقد "البطل" كشفها، بل إنها تُمارس عارية وعلى مرأى من الجميع في الفضاءات الرقمية والواقعية على حد سواء. هنا يتساءل رواد "ما بعد النقد"، ما جدوى الاستمرار في ممارسة التفكيك والحفر في الأعماق، إذا كان ما نبحث عنه معروضاً بالكامل على السطح؟ إن هذا التحول يعيد الاعتبار للنص وللقارئ العادي، متجاوزاً تلك الفوقية التي تفترض سذاجة المادة الثقافية وعجزها عن كشف قيودها، ليتجه النقد بدلاً من ذلك نحو "رعاية" النص وفهمه كمادة ثقافية قائمة بذاتها، وليس كعدو تجب هزيمته فكرياً أو وثيقة سياسية تُستغل للإدانة المستمرة.
ثانياً: التكنولوجيا كشاهد
في سياق البحث عن بدائل لـ "تأويلية الشك"، لا تأتي التكنولوجيا والحواسب في أطروحات "ما بعد النقد" كأدوات باردة لـ "تنميط" الأدب أو نزع الإنسانية عنه، بل بصفتها "شاهداً غير منقادٍ" يعيد توجيه بوصلة النقد نحو الواقعية والموضوعية. ويتقاطع هذا بقوة مع مفهوم "الانعطافة الوصفية" (The Descriptive Turn) الذي دافعت عنه الناقدة هيذر لوف (Heather Love). ففي أطروحاتها، وخاصة في مقالها الشهير قريب ولكن ليس عميقاً (Close but not Deep)، تدعو لوف إلى تحويل وظيفة الناقد من "المفسر البطولي الباحث عن الغيب" إلى "المُلاحظ المُرشِد والمحلل المتواضع"، مستلهمة أساليب الوصف الإثنوغرافي السوسيولوجي والتحليل المجهري للسلوك الإنساني (Love, 2010; Love, 2013).
إن الانتقال من "الناقد البطل" الذي يفرض إسقاطاته النفسية والسياسية على النص، إلى "الناقد الشريك للآلة"، يمثل رغبة أبستمولوجية في تصحيح الذاتية المفرطة وتجاوز الانتقائية المعيبة. فالكمبيوتر، بقدرته على استقراء آلاف النصوص دفعة واحدة عبر "القراءة البعيدة" (Distant Reading)، لا يمارس التأويل الذاتي بل يمارس التشريح والوصف وبناء التصنيف. ومن هنا، تفتح الآلة الباب أمام استعادة قيم كادت تصبح محرمة في الدراسات الأدبية المعاصرة: مثل الصلاحية والتحقق والقبول المعرفي. ومع ذلك، فإن تبني هذه المناهج المستعارة من العلم لا يعني تسليم الأدب للعلماء؛ فالعلماء يفتقرون للتدريب "الكيفي والنوعي" الذي يمتلكه الإنسانيون. الحاسوب هنا يُوسّع آفاق الناقد ولا يستبدله، مساعداً إيانا على إظهار "حياد وصفي" تجاه حيوات الناس وتجاربهم المرتبطة بالقيود (كالطبقية أو الرأسمالية) دون إسقاط رغبات الناقد التحررية عليها بشكل تعسفي يزيف الواقع الثقافي المعاش.
ثالثاً: جماليات التمهل والتأني
على النقيض من التصور الشائع الذي يختزل "القراءة السطحية" في كونها ممارسة مبسطة أو بديهية، فإن التدقيق في منطلقاتها يكشف عن عبء قرائي وأخلاقي شديد التعقيد. وتلتقي أطروحات بيست وماركوس هنا مع الجماليات القرائية لـ آن-ليز فرانسوا (Anne-Lise François)؛ حيث إن الانتقال نحو نمط من القراءة يتسم بالتمهل، والانتباه الثابت، والجهوزية للاستماع يفرض على الناقد كبح رغبته التلقائية في الهجوم أو الدفاع (François, 2008). إنه التزام بـ "الشهادة على المعطى" والاعتراف بالقيود التي تشكل الوجود الإنساني دون الرغبة الاستعلائية في تجاوزها زيفاً أو محاكمتها أخلاقياً في كل سطر. إن رفض الاحتفاء بالنص أو إدانته ليس خياراً مريحاً، بل هو ممارسة مقلقة ومزعجة؛ لأنها تجرد الناقد من سلطته الأبوية، وتجبره على مواجهة صمت النص، وإرجاء أحكامه، والقبول بـ "الحياد الوصفي" كأداة أخلاقية للاعتراف بالحيوات والوجوه البشرية المتشابكة مع تلك القيود. في عصر يتسم بالسرعة الرقمية والاندفاع نحو إصدار الأحكام السريعة على وسائل التواصل وفي الأكاديميا، يصبح التأني والثبات القرائي شكلاً من أشكال المقاومة الفكرية الراديكالية والإنصات العميق لما هو كائن بالفعل.
العودة إلى السطح
لا تعني الانعطافة نحو "ما بعد النقد" والقرائن الرقمية والوصفية موتاً للعلوم الإنسانية أو استسلاماً للآلة، بل هي محاولة جادة لإنقاذها من رتابة الأيديولوجيا المستهلكة. إن العمل المشترك بين الناقد والكمبيوتر – في ضوء أطروحات ماركوس، وبيست، وفيلسكي، ولوف – يعيد صياغة هوية التخصصات الثقافية. فبدلاً من تقسيم العالم فكرياً إلى "روائع عبقرية" أو "وثائق همجية"، يتقدم النقد اليوم ليعرف نفسه بوصفه انشغالاً عميقاً بالأثر الإنساني. إنها دعوة للعودة إلى السطح، ليس لقلة العمق، بل لأن السطح هو المكان الوحيد الذي يعيش فيه البشر، وتظهر عليه ندوب قيودهم، ويستحق – من ثم – أن يُقرأ بتمهل وإنصاف.
المراجع
Best, S., & Marcus, S. (2009). Surface reading: An introduction. Representations, 108(1), 1–21.
Felski, R. (2015). The limits of critique. University of Chicago Press
Love, H. (2010). Close but not deep: Literary ethics and the descriptive turn. New Literary History, 41(2), 371–391.