خَارِجَ البُرْوَازِ
( بصراتو)
ياسين غالب
تتعدد أسماء المدينة بتعدد وجوه سكانها. فلنسمِّها "بصراتو"، ولنرَ بعدها صدق وجودها الجغرافي من عدمه. ورغم هشاشة المدينة أمام الفاتحين في الثواني الأولى، فإنها تشبه نبات مصيدة فينوس الذي يطبق على فريسته من الحشرات، فيهضمها على مهل ويمتص روحها، جاعلًا إياها جزءًا من بنيته البيولوجية. فلنتجه من السماء، مرورًا بالسحب المحمّلة بأنفاس البحر الرطبة والحارة، ولنُلقِ بنظرنا على منطقة لا يُرى منها سوى أشواك رؤوس النخيل، وكأنها فرشاة شعر هائلة مقلوبة إلى الأعلى. لنقترب أكثر من بستان يقع على خاصرة نهرٍ تعددت أسماؤه، وُلد من زيجة مباركة بين نهرين عظيمين التقيا، مصادفةً، في شمال المدينة. كان النهر يسير إلى البحر بمفرده منذ آلاف السنين. فلنسمِّه "شط العرب"، ولنسمِّ النهرين "دجلة" و"الفرات" والديه، من دون تحديد هوية جندرية للعروسين.
نقترب أكثر من منزل طيني في جنوب البستان، يتكوّن من غرفة واحدة ونافذتين تتوزعان على الجانبين. هذا هو مدخلنا الآن، فلنمضِ بعيوننا إلى الداخل. هذه الغرفة، أو هذا المنزل، تسكنه امرأة في أواسط السبعين من عمرها تُدعى "أم غايب". عجوز ذات عينين رماديتين وبشرة سوداء معتقة، موشومة في الحنك والكفين برسومات وطلاسم خضراء غريبة، تنطوي على جسد نحيل جدًا تكاد الريح تكنسه إن مرّت به.يلتبس الأمر أحيانًا؛ فكل امرأة لا تلد تسميها نسوة المدينة "أم غايب". فهل لدى أم غايب ابن اسمه غايب أصلًا؟ من يعلم غيرها، وغير النسوة، والسيد "الشعيبي"، صاحب الأرض والقدر؟
بعض النسوة يصفنها بـ"المسكونة"، في إشارة إلى عالم الجن الموازي. وتتناقل النساء سرديات غير موثقة عن قدرتها على التواصل مع المخلوقات الماورائية وغير المنظورة في جلساتهن. وفي البيوت القديمة، اعتادت أن تروي أجمل القصص، كحكّاءة ماهرة، أو كنبي لم يرد ذكره من قبل. كانت تحكي عن "غايب"، ولدها الغائب، الذي ترك أمًا وثلاث فتيات في عنقها لتعيلهن.
وحين يدور الحديث، يسألنها عن غايب الغائب. فتجيب دائمًا:
"غايب خذوه العسكر للحرب، وما عاد من يومها."
فيستفسرن منها:
"أي حرب؟ الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة... أم الألف؟ بلدنا يحارب حتى الريح."
فترد:
"حرب الشتاء، على ما أذكر."
فتجيبها النسوة بصوت متهكم:
"وحتى هذه، حروبنا فيها ستين شتاء وستين صيف، يا أم غايب."
وبتردد تعيد:
"لاأعرف عن الحرب شي .. ما أعرفه ان غايب مازال فيها "
فتضحك النسوة، ويخمّنَّ أنها الحرب التي دارت بين العراق والأكراد في الشمال.
يصلنها بكثير من الفاكهة والتمور والخضروات ولحم البط، لكنهن لا يدخلن غرفتها لسبب ما. يحملن إليها على رؤوسهن ما يُسمى بـ"صواني الرحمة"، إحسانًا يرجون به ثواب قراءة سورة الفاتحة للموتى.
ومع الغلاء المتصاعد كالأبخرة، يجود عليها الميسورون بصدقاتهم، ليشعروا بعدها براحة الضمير ويناموا بعمق. وهي، من جهتها، تعيش من هذه الثغرة النفسية في برمجيات الأغنياء؛ تلك التي تقودهم إليها في كل مرة. يرشونها، ويرشون الله من خلالها، ليغفر لهم خطاياهم، أو يخففها، على أقل تقدير، وإن كانوا لا يترددون في اجتياز علاماته المرورية يوميًا ودهس إنسانيتهم عمدًا. ما يمنحونه لها يدفع عجلة يومها، ويؤجل سقوط عيالها يومًا آخر في تقويم الفاقة، ولو بصورة مزرية.
وحين ينقطع عنها هذا المدد، تفترش رقعة ترابية في سوق "البصرة القديمة"، في منطقة الصفاة، لتبيع الملابس المستعملة. ومن يعبر مسرعًا يصعب عليه أن يميزها بين أكوام العباءات السود الرثة والملابس الباهتة المهترئة. بجسدها الهزيل المقوس، كأقواس السعف التي تُصنع في أعراس البصرة، تعود عند الغروب بما تيسر لها من رزق. وإذا اشتد عليها الحال، تتبضع مجانًا من بقايا عربات الخضار: بصل ذابل، وطماطم نصف متعفنة، ودجاجة ميتة ملقاة، أو أي شيء يتركه الباعة عند انقضاء اليوم. وإذا عرفت أن ما كان يُباع للناس أصلًا تالفًا ومغشوشًا، فلك أن تتخيل ما الذي كان يستقر في كيس المسكينة أم غايب. شكّلت فواجع البلد مصدر الرزق الرئيس لها ولبناتها الثلاث، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، زمن المعارك الطاحنة على مشارف "بصراتو" بين العرب والفرس، التي كانت تمتد أيامًا. كانت الحرب موسمها الخصب؛ مزيدًا من الشهداء يعني مزيدًا من الطعام القادم من سرادقات العزاء، الممتدة من جنوب بصراتو إلى شمالها لم تكن "صواني الرحمة" تنقطع. رزق وفير، ونزيف لا ينضب من المدنيين والعسكريين. ثم جاءت حرب الخليج، الذكية جدًا في صناعة الموت. وبعدها مسالخ انتفاضة آذار في الجنوب، وقتلى التقارير الأمنية، وضحايا السرطانات التي انتشرت في المدينة كما تنتشر الانفلونزا. سلسلة لم تنقطع، وإن تبدلت نوعية الثوابات مع الحصار وشح المواد الغذائية. ثم تحسن الحال بعد مجيء الأميركيين، والدولارات، والميليشيات التي احترفت الاستثمار في قطاع القتل المربح. كانت النسوة يمازحنها: لو فرضنا الناس بطّلت تموت، منين تعيشين يا أم غايب؟فتجيب بثقة: السيد الشعيبي ما يتركني أموت جوع، أنا وبناتي .. حاشاه.
ثم تبتسم ابتسامة المؤمن الذي لا يشك في رزق كتبه له ربّه.
في ذلك اليوم الدبق برطوبة البحر كما هي كل أيام " بصراتو " وبعد أن غادرها خاد م السيد الشعيبي المدعو "رسول" ، صارت أم غايب تحدق في صرة التمر. أخرجت من إحدى التمرات نواة من فضة خالصة، دسّتها في جيبها، ثم مضغت الثمرة ببطء، مستلذةً بحلاوتها. وحدها كانت تعرف لماذا لا تخلو كل صرة تمر تصلها من تلك النواة.لفّت شالها الأسود حول كتفيها، وألقت نظرة على صورة غايب المعلقة فوق الجدار. لم تقل شيئًا. الانتظار لا يحتاج إلى كلام. خارج الغرفة، كانت الريح تعبث بأبواب الزقاق، ثم انطفأت الكهرباء كعادتها. أشعلت شمعة، وما إن استقرت شعلة النار حتى سمع طرقٌ على الباب صار يتصاعد مع الوقت .ظنّت للوهلة الأولى أن الريح هي الطارق فتشاغلت عنه تعبث بشعر بناتها المستلقيات ، لكنها حين زاد قامت و فتحت الباب لتجد رجلًا يقف في العتمة، يخفي الليل ملامحه.
قال بصوت مألوف لديها : أأجد عندك مأوى لهذه الليلة؟
نظرت إلى غرفتها الضيقة، التي بالكاد تتسع لها ولبناتها الثلاث وقدورهن وأكياس الخيش. ثم تنحّت جانبًا.
: ادخل. قالت وهي تزيح جسدها عن موضعٍ له على البساط المزركش بطيور صفراء وسعف أخضر. جلس قربها، ومدّ يديه إلى ما تبقّى من دفء النار الخامدة في طاسةٍ من الحديد الصدئ، عليها إبريق شاي معوجّ لم يبقَ منه إلا ذكرى.
سألته:من أين أتيت؟ كنتُ أعلم أنك ستأتي، ولكن متى وكيف، لا علم لي، يا ولدي.
قال بنبرةٍ يشوبها الشك:انتظرتِني؟ نعم، ولكن الموقد مطفأ، والبنات ناعسات.
وأضاف بعد تأمل: كلنا ننتظر، ولكن من الذي ننتظره؟ ومتى يأتي؟ ومن يعلم؟
قالت أم غايب، وهي تدني كفيها من دفء الموقد المتلاشي.
:العمر يأخذ منا كل شيء. أخذ مني ولدي. اسمه غايب... كأنك تعرفه؟ رفع الرجل رأسه إليها. كانت عيناه مرهقتين كعيني مسافرٍ أطالته الطرق.
قال:كلنا غائبون يا خالة. بعضنا يغيب في الحرب، وبعضنا يعود منها ولا يجد نفسه. كلنا غايب.
ساد الصمت. لم يبقَ سوى صفير الريح وهي تمر بين سعف النخيل، والجمر يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تكلمت بعد برهة: ولدي غايب خرج مع العسكر. ما كنت أعرف للحرب اسمًا، ولا عدًّا. أعرف فقط أنه لبس ثيابه، ومشى... ومن يومها وأنا أنتظر. ظل الرجل يحدق في الجمر حتى حسبته يخاطبه.ثم تمتم بهدوء: أصعب ما في الحرب أنها لا تقتل الناس دائمًا. أحيانًا تتركهم معلّقين بين الرجوع والغياب.رفعت رأسها إليه فجأة.
: تعرف غايب؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
: أعرف كثيرين يشبهونه.
ثم أضاف: من يرجع من الحرب لا يرجع كما ذهب. والحرب، إن عجزت عن قتل الرجل، قتلت شيئًا فيه.
ارتجفت يد أم غايب فوق ركبتها.قالت بصوت خفيض، كمن يحادث نفسه: إذن... يمكن أن يكون حيًّا؟
نظر إليها طويلًا، كأنه يفتش عن جواب لا يملكه.
: لا أعرف. لكن الذين نحبهم لا يغيبون بالطريقة التي نظنها.
طال الصمت مرة أخرى.وحين خفتت الريح، نهض الرجل، وجمع عباءته.
قال: أنا غايب، ولست أنا غايب. أنا مغادر الآن إلى منزل آخر. في أمان الله.
اعترضت أم غايب: ابقَ الليلة. فيك منه طولُه الخيزراني، وجدحةُ عينه. ابقَ يا ولدي، الطريق لا يهرب.ابتسم.
: الطريق لا يهرب... نحن من نهرب منه.
فتح الباب، فاندفع هواء الليل إلى الغرفة، وأطفأ الشمعة.وقف لحظة عند العتبة.نظر إليها وهي تمسح على رؤوس بناتها النائمات. دمعت عيناه، وغالب كلمةً على شفتيه أن تخرج، فابتلع حزنه مع ريقه. ثم اختفى في العتمة، كما لو أن الريح جاءت به وأخذته معها.
أغلقت أم غايب الباب، وجلست تحت صورة غايب. كان ضوء القمر قد حلّ بدل صفرة النار الآفلة. رفعت بصرها إلى صورة غايب، الذي كان قد غادر برواز الصورة، وهمست: أينما تكون... الله يجعل طريقك أحسن من طريقنا.