ولادة العراق الاتحادي الجديد
صلاح بكر
جسّدت حفاوة الاستقبال الاستثنائية التي حظي بها رئيس الوزراء العراقي، السيد علي الزيدي، في البيت الأبيض، والترحيب الدافئ والعميق الذي خصّه به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منعطفاً تاريخياً في مسار العلاقات بين البلدين. لم تكن هذه الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي تفرضه الأعراف الدبلوماسية، بل جاءت إعلاناً صريحاً عن تدشين شراكة استراتيجية ندّية متكافئة، تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار الشامل.
ماذا يحمل علي الزيدي في حقيبته الدبلوماسية؟
لم تكن حقيبة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي إلى واشنطن محملة بملفات الدعم التقليدية القائمة على الاستجداء، بل انطوت على رؤية سياسية واقتصادية متكاملة لسيادة العراق واستقلالية قراره الوطني.
وتتجلى ملامح هذه الحقيبة فيما يلي:
۱. خارطة طريق اقتصادية واعدة: ترتكز على جذب كبريات الشركات الاستثمارية الأمريكية لقطاعات حيوية كالطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والبنى التشغيلية الحديثة.
۲. أمن سيادي مشترك: صياغة إطار جديد للتعاون الأمني يضمن السيادة العراقية الكاملة، مع الإبقاء على قنوات التنسيق الاستراتيجي الفعال لضمان الاستقرار الإقليمي ودحر الإرهاب.
۳. رؤية التوازن والاعتدال: تقديم العراق كجسر متين للتهدئة والتلاقي في الشرق الأوسط، وليس كساحة لتصفية الحسابات والحروب بالوكالة.
كوردستان في قلب المعادلة: إقليم قوي كركيزة لعراق مزدهر
تتبوأ الأهمية الاستراتيجية لإقليم كوردستان ودوره المحوري في هذه المرحلة حيزاً بارزاً في قراءة أبعاد هذه الزيارة؛ إذ يتبلور اليوم إدراك سياسي، محلي ودولي، بأن كوردستان القوية والمستقرة تمثل حجر الزاوية لعراق اتحادي متماسك.
"حين تصبح المشاكل والأزمات بين بغداد وأربيل صفراً، فإن قاطرة التنمية والازدهار ستنطلق إلى أقصى مدياتها."
ومن هذا المنطلق، تُعلّق الأوساط السياسية والشعبية تفاؤلاً كبيراً بأن تنعكس أجواء التفاهم الإيجابي في واشنطن على الداخل العراقي، لتمهد الطريق أمام حوار وطني جاد يفضي إلى طي نهائي لملفات الخلاف العالقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، لاسيما في المسائل المالية والنفطية والرواتب. هذا التطلع لتصفير الأزمات لا يخدم الاستقرار الداخلي فحسب، بل يبعث برسالة طمأنينة قوية للمستثمرين الأجانب، ليدخل العراق بأكمله عهداً من الانتعاش الاقتصادي غير المسبوق.
دحر حيتان الفساد وحصر السلاح بيد الدولة
تدرك الحكومة الحالية برئاسة السيد علي الزيدي أنه لا يمكن تأسيس نهضة حقيقية في بيئة مهتزة، ولذا يقع ملف اقتلاع "حيتان الفساد" وحصر السلاح بيد الدولة في صدارة الأولويات السيادية والوطنية.
۱. تقويض إمبراطوريات الفساد: مواصلة ملاحقة الرؤوس الكبيرة للمفسدين واسترداد الأموال المنهوبة، لإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة وتأمين بيئة استثمارية جاذبة.
۲. فرض سلطة القانون: إنهاء المظاهر المسلحة المنفلتة وحصر السلاح تحت سلطة الدولة الحصرية، ليعيش الشعب في كنف الطمأنينة والأمان المفقودين منذ عقود.
۳. إعادة بناء البنى التحتية: توجيه العوائد المالية نحو تطوير الخدمات الأساسية وتحديث القطاعات الخدمية كالماء والكهرباء والتعليم والصحة، بما يليق بكرامة المواطن العراقي.
صمام أمان الدولة: كيف نحافظ على النظام الاتحادي؟
إن صون النظام الاتحادي في العراق ليس ترفاً نظرياً، بل هو الصيغة القانونية والعملية الأنجع لتطوير هيكلية الحكم وضمان بقاء الدولة موحدة ومتماسكة. ولتحقيق هذه الغاية، يتطلب الأمر حماية هذه التجربة عبر:
۱. الالتزام الحرفي بالدستور: تفعيل المواد الدستورية الحاكمة التي تنظم العلاقة والروابط بين المركز والأقاليم والمحافظات بمرونة تحقق العدالة وتمنع التغول والتفرد بالسلطة.
۲. اللامركزية الإدارية والمالية: تمكين الحكومات المحلية والمحافظات من إدارة شؤونها، مما يسهم في كسر البيروقراطية وتسريع حركات البناء والإعمار.
۳. تجسيد مفهوم المواطنة الشاملة: بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الخلافات الفرعية، وتحترم التنوع الثقافي والعرقي، وتكفل لجميع المكونات شراكة حقيقية في صنع القرار ورسم ملامح المستقبل.
ملامح الغد المشرق
إن زيارة رئيس الوزراء السيد علي الزيدي التاريخية إلى واشنطن ولقاءه بالرئيس دونالد ترامب لم تكن مجرد نجاح دبلوماسي عابر، بل كانت إيذاناً بتدشين عهد عراقي جديد يرتكز على التوازن والقوة. من تصفير الأزمات مع إقليم كوردستان، إلى خوض المعركة الوجودية ضد الفساد والسلاح المنفلت، وصولاً إلى ترسيخ دعائم النظام الاتحادي الدستوري، تُرسم اليوم ملامح عراق قوي، آمن، ومزدهر. عراقٌ يستعيد مكانته المستحقة في قلب العالم كمنارة للاستقرار والتنمية، ليثبت لشعبه أولاً، وللعالم أجمع، أن إرادة البناء والسيادة هي التي ستنتصر في نهاية المطاف.