السياسة الشرعية والشرعية السياسية
نوري جاسم
كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي والإعلامي، بل وحتى في بعض الدراسات الأكاديمية، مفاهيم تبدو متقاربة في ألفاظها، لكنها تختلف في مضمونها ووظيفتها. ومن أبرز هذه المفاهيم: السياسة الشرعية والشرعية السياسية. والتمييز بينهما ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة لفهم طبيعة الدولة، وحدود السلطة، وأسس الحكم الرشيد في المجتمعات الإسلامية والمعاصرة. فالسياسة الشرعية، في التراث الإسلامي، ليست شعارًا دينيًا يُرفع عند الحاجة، ولا وسيلة لتبرير قرارات السلطة، وإنما هي منهج متكامل لإدارة شؤون الدولة والناس بما يحقق العدل، ويحفظ الحقوق، ويصون الكرامة الإنسانية، ويوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة. وهي تقوم على قاعدة أصيلة مفادها أن الغاية من الحكم ليست السيطرة على الناس، وإنما رعاية مصالحهم وتحقيق الخير العام لهم.
فقه اسلامي
ولذلك قال علماء السياسة الشرعية إن كل تصرف يحقق المصلحة العامة، ويدفع المفسدة، ولا يصادم نصًا قطعيًا أو أصلًا شرعيًا، فهو من السياسة الشرعية، حتى وإن لم يرد بشأنه نص خاص. ومن هنا جاءت مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة تطورات الزمان والمكان. أما الشرعية السياسية، فهي مفهوم يتناول سؤالًا مختلفًا: من أين تستمد السلطة حقها في الحكم؟ فالدولة لا تكتسب مشروعيتها بمجرد امتلاك القوة، ولا بمجرد السيطرة على المؤسسات، وإنما بوجود أساس يعترف المجتمع من خلاله بحقها في ممارسة السلطة. وقد يكون هذا الأساس دستورًا، أو انتخابات حرة، أو بيعة، أو توافقًا وطنيًا، أو مزيجًا من هذه العناصر بحسب طبيعة النظام السياسي. وإن الشرعية السياسية ترتبط بثقة المواطنين، واحترام القانون، وخضوع الجميع لمبدأ سيادة الدولة ومؤسساتها. وكلما ضعفت هذه الشرعية، ازداد الاحتقان، واتسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، مهما امتلكت الدولة من أدوات القوة. واللافت أن بعض الخطابات تخلط بين المفهومين، فتظن أن الحديث عن السياسة الشرعية يعني بالضرورة إثبات الشرعية السياسية.
سياسة شرعية
أو أن امتلاك الشرعية السياسية يغني عن الالتزام بمبادئ السياسة الشرعية. والحقيقة أن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا علاقة تطابق.
فالسلطة قد تكون شرعية من الناحية الدستورية، لكنها تمارس سياسات تفتقد إلى العدالة والشفافية واحترام الحقوق، فتضعف ثقة الناس بها. وفي المقابل، قد تُرفع شعارات السياسة الشرعية، بينما تُهمَّش مؤسسات الدولة، وتُعطَّل الرقابة، ويُضيَّق على الحريات، فيتحول الشعار إلى غطاء يفقد روحه ومقصده. وإن جوهر السياسة الشرعية هو تحقيق العدل، فالعدل هو القيمة التي قامت عليها الرسالات السماوية، وهو أساس العمران واستقرار الدول. كما أن جوهر الشرعية السياسية هو رضا المجتمع المبني على القانون، والالتزام بالمؤسسات، واحترام الإرادة العامة، وحماية الحقوق والحريات.
وفي عالمنا العربي، حيث تتشابك التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة هذين المفهومين بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي.
فالدولة الحديثة لا تستقر إلا عندما تجمع بين الشرعية القانونية والكفاءة في الإدارة، وبين احترام القيم الأخلاقية وسيادة القانون، وبين قوة المؤسسات وثقة المواطنين. وإن السياسة الشرعية ليست خصمًا للدولة الحديثة، كما أن الشرعية السياسية ليست نقيضًا للقيم الدينية. بل إن كليهما يلتقيان عند هدف أسمى، هو بناء دولة عادلة، تحفظ كرامة الإنسان، وتحقق التنمية، وتصون الحقوق، وتجعل السلطة وسيلة لخدمة المجتمع لا غاية في ذاتها. ولقد أثبت التاريخ أن الدول لا تدوم بالقوة وحدها، ولا بالشعارات وحدها، وإنما تدوم عندما تتأسس على شرعية تحظى بقبول المجتمع، وسياسة حكيمة تجعل العدالة معيارًا، والإنسان محورًا، والمصلحة العامة مقصدًا. وحين يلتقي ميزان القيم مع مشروعية الدولة، يصبح الحكم أكثر استقرارًا، وتغدو الدولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة المستقبل. وفي زمن تتسارع فيه التحولات، يبقى الرهان الحقيقي ليس على كثرة النصوص أو الشعارات، بل على بناء ثقافة سياسية تؤمن بأن الشرعية مسؤولية، وأن السياسة أمانة، وأن العدل هو الجسر الذي تعبر عليه الأمم نحو الاستقرار والازدهار. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..