الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الصابونجية قادمة..تأريخ سّري مسكوت عنه

بواسطة azzaman

الصابونجية قادمة..تأريخ سّري مسكوت عنه

شوقي كريم حسن

 

وصلت النسخة الأولى من روايتي “الصابونجية”…اليوم أمسكت بها للمرة الأولى، لا بوصفها أوراقًا مطبوعة، بل بوصفها سنواتٍ من البحث، والقلق، والمواجهة.

كل الشكر والتقدير للأستاذ محمد علوش، مدير دار بوك سايننك الفني، على إشرافه وحرصه حتى خرجت الرواية بهذه الصورة التي تليق بها.

الصابونجية ليست رواية عن حيٍّ بغدادي فحسب، بل محاولة لفتح بابٍ ظل موصدًا طويلًا، وكشف طبقات من تاريخٍ مسكوتٍ عنه؛ تاريخٍ تحولت فيه الصابونجية، عبر مراحل من الزمن، إلى وكرٍ كان يحظى بغطاءٍ رسمي، واحتضن أشكالًا متعددة من الفسوق والرذيلة، حتى غدا الخراب جزءًا من يوميات المكان.لم يكن هدفي الإثارة، ولا مطاردة الفضيحة، وإنما البحث عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة السقوط، وعن المدينة وهي تخفي جراحها خلف ضجيج الحياة. كتابة الصابونجية تجربة قاسية؛ لأنني كنت أكتب عن أمكنةٍ تعرف كيف تبتلع أسرارها، وعن شخصياتٍ تحمل أوزارها بصمت، وعن زمنٍ كان يبتسم في العلن، بينما يتآكل في الخفاء.أؤمن أن الرواية ليست محكمة تصدر أحكامًا، بل مرآةٌ تواجه المجتمع بما يفضّل ألا يراه. وإذا نجحت الصابونجية في أن تثير سؤالًا واحدًا لدى القارئ، فقد حققت جزءًا من غايتها.ها هي الآن تغادر يدي، لتصبح ملكًا لقرّائها… وأرجو أن يجد كل قارئ فيها ما يدفعه إلى إعادة النظر في العلاقة بين المكان، والسلطة، والإنسان، والذاكرة.الصابونجية… ليست رواية تُقرأ فحسب، بل تجربة تُعاش، وجرحٌ يُفتح على مهل، ثم يترك أثره طويلًا في الروح.هناك أمكنةٌ لا تظهر في كتب التاريخ، لكنها تكتب تاريخ المدن من وراء الستائر. أمكنةٌ لا تُروى حكاياتها إلا همسًا، لأن الحقيقة فيها دائمًا أثقل من أن تُقال. ومن بين تلك الأمكنة، كانت الصابونجية.لم أذهب إليها لأدين أحدًا، ولا لأبرئ أحدًا،  ذهبت إليها روائيًا يحمل مصباحًا صغيرًا في ممرٍ طويل من العتمة. أبحث عن الإنسان قبل الخطيئة، وعن الظروف قبل الأحكام، وعن الوجوه التي دفنتها الروايات الرسمية تحت ركام الصمت.تجدون في الرواية نساءً لم يخترن مصائرهن كاملة، ورجالًا باعوا أرواحهم بثمن النفوذ، وموظفين أغلقوا أعينهم لأن السلطة أرادت لهم ذلك، وتجدون مدينةً  تعرف كل شيء، لكنها آثرت أن تصمت.إن أخطر ما في الفساد أنه لا يعيش وحيدًا؛ فهو يحتاج إلى سلطة تحميه، وإلى مال يغذيه، وإلى خوف يمنع الناس من الاقتراب منه. وحين تجتمع هذه الثلاثة، يتحول المكان إلى دولةٍ صغيرة، لها قوانينها، وسماسرتها، وضحاياها، وجلادوها.الصابونجية ليست رواية عن الرذيلة، إنما عن المجتمع الذي سمح للرذيلة أن تصبح مؤسسةً، وعن الإنسان الذي يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها وحده. إنها محاولة لقراءة الوجه الآخر للمدينة، الوجه الذي ظل طويلًا خارج عدسة المؤرخ، لكنه بقي حاضرًا في ذاكرة الناس.

جراح قديمة

أعرف أن الرواية ستثير الجدل، وربما تغضب بعض القراء، لأن الحقيقة حين تقترب من الجراح القديمة لا تمر بهدوء. لكن الأدب، في جوهره، ليس وسيلةً لتخدير الذاكرة، بل لإيقاظها، وليس زينةً لغوية، بل مواجهةٌ مع الأسئلة التي نخشى طرحها.اليوم، وأنا أحمل النسخة الأولى بين يدي، أشعر أن الرواية لم تعد لي. لقد انتهت علاقتي بها بوصفها مخطوطًا، وبدأت علاقتها بقرائها. من هذه اللحظة، يكتب كل قارئ نسخةً أخرى منها في وجدانه، وربما يرى فيها ما لم أره أنا أثناء الكتابة.

أشكر كل من آمن بهذا المشروع، وفي مقدمتهم الأستاذ محمد علوش، الذي تابع تفاصيل خروج الرواية حتى أبصرت النور بهذا الشكل الجميل.وأخيرًا… أهدي الصابونجية إلى بغداد؛ المدينة التي لا تكف عن إخفاء أسرارها، ولا تكف، في الوقت نفسه، عن منح كتّابها أسبابًا جديدة للكتابة. فما بين دجلة وأزقتها القديمة، تختبئ حكاياتٌ لو نطقت، لأعادت كتابة تاريخٍ كامل من جديد.


مشاهدات 47
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/07/04 - 12:19 AM
آخر تحديث 2026/07/04 - 1:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 125 الشهر 3296 الكلي 15908423
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير