عندما تتحول الدروس الخصوصية إلى ضريبة على الأسرة العراقية
خميس الخزرجي
لم تعد الدروس الخصوصية في العراق حالة استثنائية يلجأ إليها الطالب عند الحاجة، بل تحولت إلى واقع يفرض نفسه على أغلب الأسر، حتى أصبحت أشبه بضريبة شهرية يدفعها ولي الأمر رغماً عنه. وما إن يبدأ العام الدراسي حتى تبدأ معه رحلة البحث عن المعاهد، والمدرسين الخصوصيين، وأقساط المدارس الأهلية، في مشهد يتكرر كل عام ويزداد قسوة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية.
المؤلم أن كثيراً من أولياء الأمور يروون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معاناتهم اليومية مع هذا الواقع. فالأب الذي يخرج صباحاً بحثاً عن لقمة العيش، يعود مساءً وهو يحمل هماً جديداً: كيف يؤمن أجور الدروس الخصوصية؟ وكيف يسدد أقساط المدرسة؟ وكيف يوفر أجور النقل والكتب والقرطاسية؟ وإذا كان لديه ثلاثة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، فإن راتبه أو دخله الشهري يكاد يتبخر قبل أن يصل إلى منتصف الشهر.
المفارقة التي يتحدث عنها كثير من المواطنين أن الطالب حين يدخل بعض المدارس الحكومية يشعر بأن العملية التعليمية أصبحت تؤدى كواجب وظيفي، بينما يجد الحفاوة والاهتمام والابتسامة خارج المدرسة، في المعهد أو المدرسة الأهلية أو الدرس الخصوصي. وكأن الرسالة التي تصل إلى الأسرة هي أن التعليم الحقيقي أصبح له ثمن، وأن من لا يستطيع الدفع فعليه أن يرضى بحظه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض الطلبة أصبحوا يعتقدون أن النجاح والتفوق لا يمران عبر المدرسة، وإنما عبر المعهد والمدرس الخصوصي. وهنا تفقد المدرسة دورها الطبيعي، ويتحول التعليم إلى سوق مفتوحة، يخضع فيها الطالب لقدرته المالية أكثر مما يخضع لاجتهاده العلمي.
لقد أُلقيت مسؤولية ضعف التحصيل العلمي على المناهج الدراسية بحجة صعوبتها، لكن معالجة المشكلة لم تكن بتطوير المناهج أو تدريب الملاكات التدريسية أو تحسين البيئة المدرسية، بل اتجه الجميع نحو الحل الأسهل: المزيد من الدروس الخصوصية، والمزيد من المعاهد، والمزيد من الأعباء المالية التي أثقلت كاهل الأسرة العراقية.
ولا يمكن إنكار أن هناك مدرسين أكفاء يؤدون رسالتهم بإخلاص داخل المدارس وخارجها، وأن بعض الطلبة يحتاجون بالفعل إلى دعم إضافي. لكن المشكلة تكمن في تحول هذا الدعم إلى ظاهرة عامة، حتى أصبح الطالب الذي لا يلتحق بالدرس الخصوصي يشعر بأنه متأخر عن زملائه، بل إن بعض الأسر باتت تستدين من أجل توفير أجور هذه الدروس.
وما يثير القلق أيضاً ما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي من أحاديث وشكاوى تتعلق بتحول بعض المدارس والمعاهد إلى مشاريع استثمارية، بحيث أصبح الهم الأول لدى كثير من الأسر هو دفع الأقساط، لا متابعة مستوى أبنائهم العلمي. كما تنتشر بين الطلبة قناعات خاطئة تربط المعدلات العالية بالدراسة في مدارس أو معاهد معينة، بدلاً من ربطها بالاجتهاد والانضباط العلمي.
إن استمرار هذا الواقع يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويجعل التعليم امتيازاً لمن يملك القدرة على الدفع، بينما يحرم أبناء الأسر محدودة الدخل من فرص المنافسة العادلة. وهذا يتعارض مع جوهر التعليم بوصفه حقاً للجميع، لا سلعة تباع وتشترى.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بمحاربة الطالب أو ولي الأمر، بل بإعادة الاعتبار إلى المدرسة الحكومية، ودعم المعلم المخلص، ومراقبة عمل المعاهد والدروس الخصوصية وفق ضوابط واضحة، وتطوير المناهج بما ينسجم مع قدرات الطلبة، وتعزيز الثقة بالمؤسسة التعليمية الرسمية.
فالأسرة العراقية لا تطلب المستحيل، وإنما تريد مدرسة تؤدي رسالتها، ومعلماً يمنح علمه داخل الصف قبل خارجه، وتعليماً يفتح أبواب المستقبل أمام جميع الطلبة دون أن يستنزف جيوب الآباء ويحول سنوات الدراسة إلى رحلة مرهقة من الأقساط والديون.
إن التعليم رسالة قبل أن يكون مورداً مالياً، وإذا ضاعت الرسالة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون ولي الأمر وحده، بل سيكون مستقبل العراق بأجياله القادمة.ش