ثورة العشرين والعارضيات.. بين شمولية وخصوصية الإنجاز
مارد عبد الحسن الحسون
تكتسب الوقائع التاريخية مصداقية تامة ،إذا كانت مدعومة بشهادات شخصيات لاغبار على أمانتها بعد ان يكون التأكيد على صحة مواقفها قد اخذ طريقه من الموثوقية ،وحين يكون البعد الوطني السيادي التحرري هو مغذي تلك الوقائع تكون المعنويات هي المتقدمة اذا استمدت حضورها بالمزيد من نسيج القوة والصبر .
ومن جملة الوقائع التي تتميز بوثوقيتها في هذا الشأن، شهادات عن ثورة العشرين في مواجهة الاحتلال البريطاني للعراق على هامش اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 والتي استمرت ذيولها المتعددة اربع سنوات عجاف .
لقد كانت نزعة الخلاص لدى العراقيين في اوج صعودها انتسابا الى حالة التململ والرفض العراقي السائد انذاك من السيطرة العثمانية . التي حاولت بكل الوسائل الخبيثة طمس الهوية العراقية ، ومع الاسف ان النظرة العراقية النضالية ازاء رفض السيطرة العثمانية لم تعط الحيز المطلوب من التحليل عند تناول ثورة العشرين . وبمعنى مضاف ،ان الثائرين العراقيين كانوا على بينة وطنية خالصة موحدة في رفض استبدال الاحتلال العثماني بالاحتلال البريطاني . ان من جملة الوقائع المدعومة التي تناولت تلك الثورة ما أوردته في كتابي الصادر عام 2007 بعنوان ( عشيرة بني عارض ، الحقائق التاريخية والمواقف الوطنية) ، فقد حرصت ان ادون شهادات قد وثقت تلك الفترة ، وتوقفت عند معركة العارضيات ،وقائع ودلالات واستنتاجات ، وخاصة الدور البطولي لشخصيتين احتلا مراكز ميدانية متقدمة فيها ،هما ،عمي ، سوادي الحسون ، ووالدي عبد الحسن الحسون في تلك المعركة التي خصص لها البريطانيون مساحة وازنة من تدوينات وزارة الخارجية البريطانية وتم الكشف عن بعضها بعد مرور نصف قرن على صدورها واعتمادها ، ولكي اضع امام القارئ الكريم صورة بملامح دقيقة عنها لابد من التوقف عند مؤشرات يمكن البناء عليها في الكشف عما جرى .ان واحدة من مميزات ثورة العشرين الروح الشبابية التي ميزتها من خلال العقول الوطنية الراجحة التي استطاعت ان تستقطب العديد من الشباب الذين كانوا قادة ميدانيين على المستوى السوقي العام ، واذا كان قد قيل الكثير عن عفوية التصدي العراقي ضد الاحتلال ، فأنها ومن ذات العفوية كانت هناك منظومة اجتهادات عسكرية سوقية نضالية شعبيية يحكمها النضج التعبوي العام ، وهذا بحد ذاته انعكس بالمزيد من الاقتحامات المتميزة .
رصيد وطني
إن ما قدمه سوادي وعبد الحسن الحسون قد جعل منهما شخصيتين على جانب كبير من الرصيد الوطني المتجدد ولذلك ليس إعتابطاً ان ينشغل والدي عبد الحسن بالانصراف الى القضايا العشائرية ،فقد ذاع صيته بلقب ( الحبيچي) ، اي الذي يملك قدرة منطقية على حبك الكلام وجعل المقابل له تحت تأثير الموافقة على ما يطرحه واعتقد أن مداولاته المرحلة السابقة خلال تلك الثورة قد صقلت مواقفه الى حد كبير ،كما ليس اعتباطاً ان يتم انتخاب سوادي الحسون نائبا في مجلس الامة أبان الحكم الملكي في العراق لخمس دورات انتخابية وهو ما لم يحظ به مرشحون غيره لولا دوره في ثورة العشرين
ان ما حققه سوادي الحسون وعبد الحسن الحسون واخوانهم شيوخ ورجال بني عارض في ثورة العشرين بصورة عامة ، وبمعركة العارضيات بصورة خاصة ، كان له اثر ايجابي كبير في المرحلة الوطنية العامة اللاحقة التي شهدها العراق ، فقد بقيت معركة العارضيات ومازالت مصدر الهام وطني كبير على صعيد دور المرأة العراقية فقد تضمنت الوقائع بروز شاعرات عراقيات يمجدن ما حصل كما ان العديد من النساء تطوعن اثناء المعركة لتامين اطعام المقاتلين الثوار على مدار الساعة . ولذلك من المهم ان لا نبخس البعد الاجتماعي والنفسي لمعركة العارضيات من هذه الزاوية بالذات .