بين دمعة العاشر وغربة السيرة
علي حربوش المسعودي
للدمعة على الحسين قدسية لا تُنكر؛ فهي مفتاح الدخول إلى كربلاء، وهي التي صانت القضية أربعة عشر قرناً من الطمس والنسيان. لكن الخطر كل الخطر أن نختزل الحسين كلّه في دمعة.لقد غابت عنّا سيرة سبعة وخمسين عاماً. ذلك الطفل الذي ربّاه رسول الله وهو يقول: (حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحب حسيناً) ، من منا يستحضر اليوم هذا القرب؟ عشر سنين من الصبر في زمن معاوية، ثم رفضٌ قاطع لبيعة يزيد اختصره بقوله: (مثلي لا يبايع مثله). أعلن هدفه بوضوح: (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي). فكيف حوّلنا هذا المشروع الإصلاحي إلى مصيبة نُحييها ولا نحيا بها؟ أين كرم الحسين؟ أين عبادته؟ أين أخلاقه بين الناس؟ تلك الشمائل التي جعلته قدوة، وجعلته سيد شباب أهل الجنة.حين نجهل السيرة، نصير محبّين لا أتباعاً. نهتف (هيهات منا الذلة) في المآتم، ونصالح الذل في تفاصيل الحياة. نبكي لأن يزيد قتل الحسين بالأمس، ولا نبكي لأن «يزيد العصر» يذبح مبادئ الحسين فينا كل يوم.الحسين لا ينتظر دمعنا، قلوبنا هي التي تحتاجها لتليينها. ما يحتاجه الحسين هو وعينا وموقفنا واخلاقنا. هو يريد الدمعة التي تنقلنا من صفّ «اللاطمين» إلى ركب «على نهج الحسين».
الحسين لم يمت في كربلاء، بل شَهِد العالم على حياته فيها. فموقفه يوم العاشر لم يولد فجأه، بل وُلد معه يوم وُلد. (كونوا أحراراً في دنياكم) _... فهذه وصية الامام الحسين عليه السلام للأحياء، لا للأموات.