كلام أبيض
تجربتي تحت المجهر
جليل وادي
أبحروا وغاصوا عميقا وطويلا كل من الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميمي استاذ النقد الأدبي والأستاذ الدكتور علي متعب أستاذ الأدب الحديث وهما من أساتذة قسم اللغة العربية بكلية التربية الأصمعي بجامعة ديالى، والدكتور الشاعر غزاي درع الطائي استاذ اللغة العربية في كلية اليرموك، والأستاذ القاص صلاح زنكنة عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، في تأملاتهم المنهجية لغويا وثقافيا في تجربتي بكتابة العمود الصحفي التي أخذت من العمر أكثر من ثلاثين عاما والتي تجسدت بكتابين هما: (صراخ بلا صدى) الذي صدر في بيروت عن دار النهضة العربية، و(كلام أبيض) الصادر في بغداد عن دار الأنس للطباعة والنشر. هذه التأملات حدثت في الفعالية التي نظمها مشكورا اتحاد الأدباء والكتاب في محافظة ديالى يوم الخميس الفائت، وأدار جلستها الأستاذ الشاعر عمر الدليمي، وحضرها أكاديميون ومثقفون وجمهور عام.
لا أكتمكم سرا كنت فخورا جدا، وانا استمع لهذه القامات العلمية وهي تتحدث عني، ولا أدري ان كنت أستحق ما قيل من كلام جميل، حتى حرت بعد أن جاء دوري ماذا أقول، ومن أين أبدأ، وقد تلبسني خجل لم أعهده، فما بالك وأنا من الذين لا يجيدون الحديث عن أنفسهم. وما يُسعد حقا ان يُحتفى بالمرء في حياته وأمام أنظار أبنائه، وهو ما حُرم منه للأسف الكثير من المبدعين الذين لا أحسب نفسي من ضمنهم، فما زال لدي الكثير الذي لم أقله بعد، وكنت قلت بعد ان اعتليت المنصة : (ان العمر المتاح لانتاج الحكمة قصير جدا)، ولم يكن في وقت الفعالية ما يتسع لايضاح هذه العبارة، وتعني: انني للتو بدأت أتلمس طريق الحكمة بعد ان بلغ العمر منتصف عقده السادس، وما بقي منه ضئيل والأعمار بيد الله تعالى، وان ما فات من مقالات منشورة في صحف محلية وعربية ماهي الا تجارب ربما فيها من الخطأ أكثر مما فيها من الصواب، بخاصة وان بيئة الكتابة في بلادنا للأسف الشديد لا تتوافر فيها ما يتطلع له الكاتب من ظروف شخصية وموضوعية للابداع كالطقس الكتابي والمزاج الرائق والوقت الفسيح، وهذا ما أفتقدته تماما.
لقد تناول الأساتذة الأفاضل تجربتي من خلال الكتابين المذكورين، وتصفحوها من منظورات المذاهب النقدية العربية التراثية والحديثة، وما ذهبت اليه المدارس الغربية من بنيوية رولان بارت الى لسانيات دي سوسير، وكشفوا عن معان ودلالات لم تخطر على بالي، بخاصة في ما يتعلق بعنوان كتاب (كلام أبيض) الذي توقف الاستاذ الدكتور فاضل التميمي عنده طويلا، طارحا سؤالا مهما لماذا كلام أبيض؟، مع ان الكلام صوت موجه للأذن، بينما المقال كتابة مقروءة بالعين، وأجاب بشكل واف عن السؤال مستشهدا بنماذج نقدية تراثية، ومنها ما أطلق عليه باستبدال الحواس التي ذكرتني ببيت الشاعر يوسف الصائغ عندما هاتف حبيبته فقال : لقد أحمرت أذناي خجلا، مع ان الاحمرار للخدود.
لقد أمتعني التميمي بتأصيله النظري لمعاني الكلام الأبيض الذي أورده، وهذه هي وظيفة النقد أدبيا كان ام ثقافيا ام فنيا، اذ يتمثل ابداع الناقد في الكشف عما هو أبعد مما يقصده الكاتب او الفنان في أعمالهما. والحقيقة ان ما دعاني لاتخاذ (كلام أبيض) عنوانا لكتابي ان جميع مقالاته نُشرت ضمن عمودي الاسبوعي الثابت الذي حمل العنوان نفسه في جريدة (الزمان)، فماذا كنت أريد ببياض الكلام، ما أقصده اني حسن النية في انتقاداتي، نواياي بيضاء، لا أريد بها أي شيء سوى النهوض بواقعنا المتردي، فمقالاتي لا تأتي بدافع التشهير او الانتقاد لمجرد الانتقاد او الاساءة الشخصية، بل لمعالجة ظواهر أجدها غير صحيحة، وبخاصة في المجال السياسي، كما علمتنا التجارب المريرة أن نكون واضحين وصريحين في اعلان نوايا السلام منذ البدء، فالسياسيون في بلادنا على مر تاريخهم يكذبون بقولهم ان صدورهم رحبة وتتسع للنقد، فتحت العباءة ما تعرفون، وأكتفي بهذا، وبعكسه سأمضي الى المقصلة وحدي بحسب تعبير صلاح زنكنه في مداخلته بالفعالية ذاتها. أفكار جديرة بالاهتمام تطرق لها المتحدثون، وأسئلة مثيرة طُرحت وتقتضي اجابة، ويعرف حضراتكم ان المعرفة تبدأ من السؤال، ما أضاف موضوعات جديدة (لبنك) كلام أبيض.
jwhj1963@yahoo.com