الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح مضيق هرمز قضية رواتب

بواسطة azzaman

ماذا يحدث عندما يختبر الواقع إقتصاد الريع؟

حين يصبح مضيق هرمز قضية رواتب

أسامة أبو شعير

 

من الطريف أن العراق، وهو أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، لا يتابع أخبار مضيق هرمز كما يتابعها خبراء الملاحة أو أسواق الطاقة، بل كما يتابع الموظف موعد نزول راتبه في نهاية الشهر. فبينما ينشغل العالم بحركة الناقلات وأسعار النفط والتوازنات العسكرية، ينشغل العراقيون بسؤال أكثر بساطة: هل ستبقى الرواتب تصل في موعدها؟

قد يبدو السؤال متواضعاً أمام ضجيج الحرب والسياسة والطاقة، لكنه في الحقيقة يلخص قصة الاقتصاد العراقي الحديثة. فالدول عادةً تخشى على اقتصادها عندما تتعطل صادراتها، أما نحن فنخشى على الرواتب. والدول تتحدث عن الإنتاجية والاستثمار والتنافسية، أما نحن فنعود في كل أزمة إلى السؤال ذاته: هل تستطيع الخزينة الاستمرار؟

وليس السبب أن العراق فقير أو قليل الموارد. فالعراق يجلس فوق واحد من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم. لكن المشكلة تشبه رجلاً يملك قصراً واسعاً ثم يصر على الدخول والخروج من باب واحد. وما دام الباب مفتوحاً يفاخر الناس باتساع القصر، فإذا تعطل الباب اكتشف الجميع أن المشكلة لم تكن في حجم القصر بل في طريقة إدارته. منذ عام 2003 دخلت إلى العراق مئات المليارات من الدولارات من العائدات النفطية. وكان من الممكن أن تشكل هذه الموارد فرصة تاريخية لبناء اقتصاد متنوع وبنية تحتية حديثة وصناعة قادرة على المنافسة وزراعة أكثر إنتاجية. لكن جزءاً كبيراً من تلك الموارد تآكل بين الفساد وسوء الإدارة وضعف التخطيط وتضخم الإنفاق الجاري. ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: أين نجد المال؟ بل: أين ذهب المال الذي كان يفترض أن يجعلنا أقل اعتماداً على النفط منذ سنوات؟

حقيقة قديمة

اليوم يعتمد العراق على النفط لتوفير أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة، بينما يذهب ما يقارب ثلثي الإنفاق الحكومي إلى الرواتب والتقاعد وشبكات الحماية الاجتماعية. ويعتمد ملايين الموظفين والمتقاعدين بصورة مباشرة على هذه التدفقات المالية الشهرية. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول أي خبر يتعلق بالصادرات النفطية أو الممرات البحرية إلى حديث يومي في الأسواق والمجالس ووسائل التواصل الاجتماعي.

وعندما تعطلت طرق التصدير الرئيسية خلال الأشهر الأخيرة، لم تظهر الأزمة فجأة، بل ظهرت الحقيقة القديمة التي كانت مختبئة خلف الأرقام الكبيرة. فالعراق لا يعتمد على النفط فقط، بل يعتمد على استمرار تصديره عبر مسارات محددة. وعندما يتعطل المسار، تتحول الجغرافيا إلى وزير مالية غير منتخب يقرر حجم الإيرادات المتاحة للدولة.

ومع ذلك، لم تنهَر المالية العامة حتى الآن، ولم تتوقف الرواتب، ولم تغلق أبواب الدولة. وهذا ما يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن الأمور تحت السيطرة. لكن الاقتصاد السياسي يعلمنا أن هناك فرقاً بين حل المشكلة وتأجيل ظهورها.

نقدية مختلفة

فالاستقرار الحالي يعتمد على الاحتياطيات التي تراكمت خلال سنوات الوفرة، وعلى الدين الداخلي، وعلى أدوات مالية ونقدية مختلفة هدفها المحافظة على السيولة. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الدين العام العراقي، الداخلي والخارجي، يتجاوز 80 مليار دولار. وقد تبدو هذه الأرقام قابلة للإدارة في الظروف الطبيعية، لكنها تصبح أكثر حساسية عندما تتعرض الإيرادات الرئيسية للضغط لفترات طويلة. والمفارقة أن الوقت أصبح أحد أهم المنتجات التي يشتريها الاقتصاد العراقي؛ فعندما تنخفض الإيرادات نشتري الوقت من الاحتياطيات، وعندما تتراجع السيولة نشتريه بالدين، وعندما تضيق الخيارات نشتريه بأدوات نقدية جديدة، وكأن المشكلة ليست في نقص الحلول بل في كثرة الطرق التي تسمح بتأجيلها.

وقد كشفت تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين بشأن الحاجة إلى توفير نحو 25 تريليون دينار إضافية إذا استمرت الأزمة حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة. ورغم أن البنك المركزي أوضح أن الأمر لا يتعلق بطباعة العملة بالمعنى التقليدي، فإن النقاش نفسه يكشف أن الدولة بدأت تبحث عن وسائل استثنائية للحفاظ على تدفق الأموال داخل الاقتصاد.وهنا تظهر إحدى المفارقات الأكثر خطورة. فالدولة تستطيع الاقتراض، ويمكنها إصدار السندات، وقد تلجأ إلى تعديل سعر الصرف إذا اضطرت إلى ذلك. لكنها لا تستطيع أن تقترض النمو، ولا أن تطبع الإنتاج، ولا أن تصدر قراراً بزيادة الثروة الوطنية. فالمال شيء، والثروة شيء آخر.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس أن تتأخر الرواتب، بل أن تصل كاملة بينما تتراجع قيمتها الشرائية. فما فائدة أن يصل راتب المليون دينار إذا أصبح يشتري ما كان يشتريه سبعمائة ألف فقط؟ وما فائدة أن تفي الدولة بالتزاماتها على الورق إذا كان المواطن يدفع الفرق في السوق؟

أما البدائل المطروحة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول، فهي ليست كثيرة. هناك زيادة الاعتماد على خطوط التصدير البديلة، وتسريع مشاريع الأنابيب نحو تركيا والأردن، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتوسيع الإيرادات غير النفطية. لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تبقى أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى معالجة أسبابها، والتي تبدأ ببناء قطاع خاص منتج، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة، وتحويل النفط من مصدر وحيد للتمويل إلى رافعة للتنويع الاقتصادي.

لعل المقارنة مع تجارب أخرى تستحق التأمل. فالنرويج تمتلك النفط مثل العراق، لكنها استخدمت عائداته لبناء صندوق سيادي ضخم واقتصاد متنوع ومؤسسات قوية. وفي الخليج العربي نجحت بعض الدول، بدرجات متفاوتة، في تحويل جزء من فوائض النفط إلى قطاعات جديدة في السياحة والخدمات واللوجستيات والتكنولوجيا. أما العراق، فظل في كثير من الأحيان يستخدم عائدات النفط لتوسيع التزاماته الجارية أكثر من استخدامه لبناء مصادر دخل جديدة.

ارتفاع أسعار

وهنا نصل إلى جوهر المسألة. فربما لا تكمن المشكلة في أن الدولة لا تملك حلولاً، بل في أنها تملك دائماً ما يكفي من الحلول المؤقتة لتأجيل الحل الحقيقي. فالاحتياطيات تشتري وقتاً، والدين يشتري وقتاً، وتعديل سعر الصرف يشتري وقتاً، وحتى ارتفاع أسعار النفط يشتري وقتاً. لكن شراء الوقت ليس إصلاحاً.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”الاستقرار السلبي”: ذلك النوع من الاستقرار الذي يستمر لا لأنه حل مشكلاته، بل لأنه نجح في تأجيل مواجهتها. استقرار يعيش على الأمل بعودة الأسعار أو انفراج الأزمة المقبلة أو اكتشاف مصدر جديد للتمويل، أكثر مما يعيش على بناء اقتصاد قادر على الصمود بذاته.

لقد كشف مضيق هرمز شيئاً يعرفه الجميع لكن قلة فقط كانت ترغب في النظر إليه مباشرة: أن الاستقرار الذي يعتمد على مصدر واحد للدخل يظل استقراراً مشروطاً مهما بدا قوياً. وأن الدولة التي يرتبط مزاجها المالي بحركة ناقلة نفط ستبقى عرضة للقلق كلما اضطرب البحر أو تغيرت السياسة أو تبدلت الأسواق.

لكن الإجابة لا تبدأ من المضيق ولا من سعر الصرف أو الاحتياطيات، بل من الاعتراف بأن استمرار هذا النموذج ليس قدراً اقتصادياً بقدر ما هو خيار سياسي تراكم عبر سنوات طويلة من تأجيل الإصلاح.

وفي النهاية، لا تقاس قوة الاقتصادات بعدد البراميل التي تصدرها، بل بقدرتها على الوقوف عندما تتوقف تلك البراميل عن التدفق. وعندما يصبح أكبر سؤال في دولة نفطية هو: هل ستصل الرواتب؟ فإن السؤال الذي يجب أن يليه مباشرة هو: وكيف وصلنا إلى هنا أصلاً؟ ومن يملك الشجاعة لكي لا نبقى هنا؟

 


مشاهدات 63
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/06/13 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/06/14 - 2:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 138 الشهر 12921 الكلي 15888402
الوقت الآن
الأحد 2026/6/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير