الديمقراطية تحتضر والمسؤوليات تصادر
مزهر الخفاجي
تقلب العراق في المئة عام المنصرمة.. في ثلاثة أنماط من الديمقراطيات أو قولوا .. ثلاثة أشكال من الديمقراطيات والتي لامحال من أنها كانت المفروضة على الفرد والمجتمع ... تمخضت الاولى منذ عام 1925 حتى عام 1958 والتي وصفت من انها خيار الخارج /المحتل البريطاني والتي سميت ديمقراطية النخب .. وبدلالة هيمنة الاوليغارشية الأقتصادية على مقاليد السلطة .. بالشكل الذي يحافظ على مصالحها ومصالح المحتل البريطاني ...قدنمت هذه الاوليغارشيات لتتحول الي اوليغارشيات سياسية ، جهوية ، عوائلية ، مناطقية. ومن المثالب على ديمقراطية العهد الملكي ، غياب جاهزية العراق وكذلك بعض الشعوب العربية على ممارستها .. وأقصاء الجماعة الوطنية فيه وقد تمخض عن هذا النمط من الديمقراطية غير المباشرة او المباشرة نوع من انواع الوصاية لا ترتبط بالديمقراطية من قريب أو من بعيد ونقصد سيطرة شيوخ القبائل ورجال الدين وملاكي الاراضي. وتخادمهم مع المحتل . والنمط الثاني من أنماط الديمقراطية .. التي اطلق عليها بالديمقراطية الشعبية الايديولوجية والتي انتجتها ثورات وانقلابات عسكرية منذ عام 1958 حتى 2003 هذه الديمقراطية الايديولوجية فرضت نمطها السياسي النظري دون ممارسة حقيقية..لم تُعبر فيها الجماهير عن حقها في اختيار ممثليها.
وفي اختيار مؤسساتها السياسية الدستورية .. والتي كان يفترض ان تكون حاضرة في دولة انفصلت من حكم المحتل الى حكم زعاماته الوطنية ... ويبدوا .. أن مبررات التداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والحقوق المدنية الاخرى ..
قد ضاعت تحت مبررات المشروعية الثورية، وصارت الديمقراطية حكراً لتوصيات المرجعيات الايديولوجية .. فبذلك هيمنت النخب الاوليغارشية الجديدة (الضباط من ابناء شيوخ العشائر ، الضباط من ابناء ملاكي الأراضي ) ليستلموا مقاليد الأمور لتختفي الديمقراطية بشكلها المباشر عبر مجلس النواب والاعيان في العهد الملكي ولتحل محلها مجالس قيادة الثورة وليؤجل المشروع الديمقراطي الى حين كما تَدعي سرديات الأحزاب الأيدلوجية الى حين القضاء على أعداء الدولة وعملاء المستعمر .. ظهرت الى السطح حد مسائلتها بمثالية السلطة بقوة وحزم سيطرة القوى ذات التوجه العسكري او الحزبي المتزمت.
والتي ضيقت من مفهوم الحرية والديمقراطية واللجوء في الحكم الى تشريع الدساتير المؤقتة والتي تناسلت فيها الظروف الطارئة لتضيق فعل المشاركة الوطنية في بناء الدولة والسعي الى تكريس المفاهيم السياسية المؤدجلة والى قيام الجبهات ( السياسية الوضعية) والتي جاءت جميعها بالفشل، ولم تقدم نموذجاً لنمط ديمقراطي ناهض..
ويبدوا ان اللجوء الى الجبهات الوطنية بين الجماعات الوطنية المتنافسة (اليساري، القرمي ، الوطنيين المستقلين) الى تكريس هذا المفهوم (الدساتير المؤقتة) والذي أضر في مظهرين من مظاهر الدولة المعاصرة .
١-مدنية الدولة المعاصرة.
٢-وتداول السلطة فيها.
فحضرت الحرية والديمقراطية فكرا وغابت ممارسة وسلوكاً كفعل وطني.. وقد مرَّ المجتمع العراقي بعد عملية التغيير عام 2003 بنمط ديمقراطي غريب جمت فيه الديمقواطية كماً مفاهيمياً من المتناقضات كرسّة دستور كتبته فصائل واحزاب وجماعات سياسية لم تمارس الديمقراطية على صعيد تجربتها السياسية.
واشتملت في تشريعاتها على كم هائل من الغموض فالبعض كان مأزومأ بشعار « المظلومية» الذي وان كان صحيحاً على اساس التطلع لممارسة حقها في اختيار نظامها السياسي وممارسته حقها في اختيار نظامها السياسي عن مشاعرها وحاجاتها وحقها في العيش الكريم والمظلومية وحاولت في ظناً منها من ان المظلومية قد أقصتها ومنعتها من ان تمارس حقها الفكري والثقافي والسياسي الوطني .
مقدار اللبس
وما ان استمر مسار اللعبة الديمقراطية حتى كشف المجتمع العراقي بعد التغيير وخلال عقدين من الزمن مقدار اللبس الذي وقعت فيها هذه الجماعات المعارضة على صعيد الفهم والادراك والسلوك الى حجم الظلم الذي قامت به تجاه جمهورها الذي عاهدته على رفع الحيف في مستوياته السياسية والاقتصادية والمادية والاجتماعية حتى الثقافية ..وقد وقعت الديمقراطية بسبب هذا الحيف المفاهيمي والسلوكي فيه من سوء فهم وادراك ( اللاعبين فيها) الى سَنْ دستور كرس رغبات هذه الاحزاب والجماعات وصاغته لتجرد المجتمع العراقي- الممتد في جذوره الوطنية عمقاً. وراحت تكتب ( دستور) يحفظ حقوق مكونات (طوائف، العراق) وضيع مفهوم المواطنة والوطنية - وجردت مواطنيها من وطنيتهم الجامعة .. لتسعى بعد ذلك الجماعات الممسكة بالسلطة لتكريس مفهوم حقوق هذه المكونات على حساب حقوق الوطن والدولة والوطنية العراقية الجامعة، وفق مفهوم الديمقراطية المعاصر الذي يبني دولته ونظامها السياسي وفق مصطلح (الحرية والديمقراطية )جذر الوحدة والمحافظة على التنوع.
والغريب ان هذا الدستور المأزوم والملغوم رغم الرضا النسبي والمصادقة عليه في ظروفٍ غامضة قد تم التجاوز على مواد الدستور والقفز على الديمقراطية باعتبارها حق للمواطنة في اختيار الجماعة الوطنية الحاكمة.. لتتحول الاعراف السياسية الى سلوك سياسي يتجاوز فيها الديمقراطيون الجدد ويتحولوا الى (عتاولة) مناصب وامتيازات ليس.. الا ..؟.والغريب في الامر .. أن الديمقراطيون الجدد تنابوا في تشويه التجربة الديمقراطية .. مرّة تحت شعار الاغلبية المكوناتية .. بعيداً عن الاغلبية السياسية .. وأخرى الاغلبية الطائفية .. مستنكرين او متجاوزين مفهوم الاغلبية الوطنية..
وتجاوزه الديمقراطيون الجدد أولوا في تفسير المادة ( 76) من الدستور قد فسرت خطأ في أن الكتلة الاكبر ليست الكتلة الأكثر عدداً، بل هي مجموع تحالف اجزاء وامراء الطوائف. وخير مثال نسوقه على أن الديمقراطيون الجدد يسارعون في خنق انفاس الحرية منهاً ..
في التفسيرات الخاطئة للكتلة الاكبر في انتخابات 2010 وانتخابات 2025 وكان لهذه الانسدادات أثرها في احتمال أن يدير الناس ظهورهم للعملية الديمقراطية والانتخابات في العراق مستقبلاً
واحتمالية انتقال العملية السياسية إلى مواسم للربح والتيه السياسي تتلاعب فيها .. الزبائنية السياسية.. وليست الجماهير الشعبية دور في رسم ملامح الانتخابات القادمة.
وقد لعب « المال السياسي» الدور الحاسم في شحذ همم العاطلين والفقراء والمتضررين من هذا النظام فبدلاً من أن يخلق حشداً جماهيرياً متحمساً للحرية .. خلق قطيعاً إجتماعياً جماهيرياً مضطراً لممارسته هذه.
عمل ثالث
والدليل عل ى ما نقول من أن الدراسات الاقتصادية تشير أن الـمــال المصروف على انتخابات عام 2025 تجاوز الترليون دينار عراقي، وهو أمر يؤشر حجم تجاوز الديمقراطيين الجدد.
لمشروعيتهم في الحصول على اصوات زبائنيتهم السياسية، والـعـامـل الثالث الذي اساء للتجربة الديمقراطية في العراق هو انها ظلت اسيرة للتجمعات الطائفية والقبائلية والمناطقية والعوائلية. وهذا برأيي يجعل المجتمع يعيش اعراض المرض العضال وان الديمقراطية مهددة بالاحتضار .. ويجعل من مخرجات الدولة ومؤسساتها (التشريعية ، التنفيذية، القضائية) لا تعبر عن توجهات جمهورها والذي هو صناديق الاقتراع رغبة منها الى ممارسة الحق الدستوري في اختيار زعامتهم الوطنية .. اذ بلغ حجم المشاركة في الانتخابات الاخيرة حوالي 56 % من عدد المسموح لهم بالتصويت.
ان الأداء الخبب للفاعلين السياسيين والديمقراطيون الجدد سيساهم في عزوف الناس عن المشاركة في الانتخابات القادمة وسيعيد ظاهرة عدم ثقتهم بالحكومات والجماعات الحاكمة وسيدعوهم لامحال الى الحنين الى الماضي . كما أنه قد يجعله يشكك في جدوى المشاركة من خلال افرزاتها السياسية .. ويوسّع الهوة بين المواطنين وبين الجماعة السياسية المتصدية للحكم.
وبذلك يساهم في زعزعة القناعة في ضمانات خضوع الدولة ( الحكومة منها) للقانون..
ويستنتج المفكر (هامبراس )من ذلك النقاط التالية:
- يعتبر الدستور الضمانة الاولى من ضمانات تطبيق الدولة للقانون .. فهو المرجع الوحيد في حل كل الانسدادات ... ولا يجوز أن تتغول الجماعات مهما كان حجمها او نوعها او مساحتها ان تكون وصية على الدستور ولا على النتائج التي افرزتها نتائج العملية الديمقراطية منها.
٢- وأن من الواجب صون الدستور أن لا يبقي أية تشكيلات مهما كان نوعها وحرصه على الدستور لا يجوز لها ان تفرض وصايتها عليه في توزيع المناصب لـــ ( رئيس جمهورية كوردي ورئيس وزراء شيعي، ورئيس برلـمـان سُـنـّي). لأن الوصاية الحقيقة والمشروعية الكبيرة هي للشعب وليس للتحالفات او الأطارات او التيارات.
ولأن هذه العرف يتنـافى مع ابسط شروط الديمقراطية القائمة على مبدأ الاغلبية الوطنية السياسية والاقلية الوطنية السياسية، وان ُيترك الأمر للكتلة الفائزة .. أو الاكثـر عددا ذا قدرة على تـطبـيـق برنامجها الوطني والقائم عن التمثيل الوطني سواءاً وفق مبدأ التحالفات، الذي يستند على مبدأ الكفاءة والنزاهة، والتخصص وليس على مبدأ الولاء والإنتماء للطائفة او الحزب او الشخص .
3 - وان التزام ( السلطة- الكابينة الوزارية).
ونكرر أن المتنافسون الديمقراطيون وفق مبدأ الاغلبية المتمسكون بالقانون .. في اجراءاته الإدارية وبالقواعد القانونية.. وهذا الأمر سيحد من سلطة الأحزاب والمحاصصة السياسية والطائفية.
ويمنع من أن تصادر المسؤوليات المناطة بالعمل الحكومي ونبعد عنها شبهات الفساد الذي أصبح ثقافة في برامج واقتصاديات الديموقراطيات الجددوفي تشكيلاتها الوزارية ، ونحن لا نجافي الحقيقة حين نقول أن هناك أوصياء قد ساهموا بإعاقة مسار التجربة الديمقراطية في العراق.
الأولى: تمثلت في وصاية بعض مسؤولي الأحزاب أو الجماعات غير المشاركة في التجربة الديمقراطية على مسار تشكل حكوماتها في اختيار زعاماتها الوطنية واختيار وزراء الحكومة الجديدة .
الثانية:
أن توزيع الحقائب الوزارية على أساس الطائفة السياسية أو المحاصصة الحزبية- بعيداً عن الكفاءة والقدرة والنزاهة. كل هذا جعل السلطتين التشريعية والتنفيذية اسيرة نظام حزبي وعوائلي ومالي مقيت قد يساهم في احتضار الديمقراطية في العراق.
لذلك فان أحتضار الديمقراطية ومخرجاتها المتمثلة في فرض سيطرة الدولة.. والفصل بين السلطات فيها... واحترام التداول السلمي للسلطة هو الذي يعطي الدولة كما يقول المفكر ماكس فيبرر الشرعية السياسية والوطنية فيها..
وقد يمنع إلافرإد وألجماعات من التمرد ويجعل المجتمع يختار أو يلوذ في منهج التغيير الناعم فيها.. لتعود ثقة الناس بالتغيير السلمي الديمقراطي والذي يجعلهم يترددون في اعادة اختيار الاوليغارشيات الثلاث:
( القبلية، الدينية، الاقتصادية) باحثين عن سلطات تعمل وفق دستور ليعطي الحق للجميع في ممارسة حقه في الاختيار. ويصوّر الكفاءات التي تساهم في الوقوف بوجه الإنهيار السياسي والوقوف بشجاعة بوجه الفساد.
ويساهم في أن تأخذ الاغلبية الوطنية للجماعة الوطنية في تصدير إنموذجها الوطني، إننا لا نكتم سرا على اننا امام خيارين:
ا- تغيير ناعم تنُميه وتشتغل عليه جماعة وطنية كي تحترم تجربتها الديمقراطية.. متقيدة اجتماعيا بدستور جديد.
٢- وتغير صلب يتربص فيه أهل الخارج لاضعاف العراق وزعزعة أمن الوطن والمجتمع وسيادة الفوضى.
نعم ان ديمقراطية النظام الملكي تماهت في نخبويتها ، حدَ القطيعة مع جماهيرها الشعبية ..
والديمقراطية الجمهورية ظلت أسيرة تنظير مجالس قياداتها دون ان تُشرك أصحاب الحق فيها من جماهير الشعب .
والديمقواطية بعد عام ٢٠٠٣ تحتضرُ في العراق لأنها أدارت ظهرها لحق أصحابها في التغيير (الشعب) وشوهت مسارها الفكري حين وضعتها تحت خانة المكونات والمظلومية والتوافقية …
إن الوصاية قد تجعل الزبائن (المگاريد) تصبر او تصمت او تتغاظى لكن منطق الحياة والديمقراطية سيأتي بحتمية التغيير .