قصة قصيرة
الواشي
مازن الحمداني
شربت من كأس الهوى حتى ثملت، فلم تعد تميز الوجوه، ولا تشعر بأي دوامة وضعت نفسها، فالمغرم تعمى بصيرته، ولا يرى إلا المعشوق، ولا يسمع إلا صوت القلب، يغيب العقل الذي لابد لنا منه في كل شيء حتى الحب.
رغم هيامها لم تتعدَ حدود العفة التي طالما حاول تجاوزها، لكنها ترده بأسلوب تجعله يتراجع، أليس ختام حكايتنا الزواج؟ يرد: نعم.
- إذاً نصبر حتى يجمعنا سقف واحد.
وكلما أراد أن يقنعها بأساليب متعددة، لم يستطع حتى ضاق ذرعاً بها.
عادت للبيت، فوجدت الأوضاع مضطربة، والوجوه مكفهرة، والعيون تكاد تخترقها من الغيظ، ولا يكلمها أحد، ولا يرد لكلامها جواب، وهي لا تدري ما المشكلة، ذهبت إلى غرفتها وهي مضطربة، وبدأ قلبها ينبض بقوة، وانتابها الخوف والقلق، وظل عقلها يتساءل؛ هل بلغهم شيء عن علاقتي بزيدون، لكن أنا لم أفعل ما يشين، وهو لم يلمس شعرة من رأسي، آه... ومن يعلم بذلك؟ ربما الواشي صور لهم الأمر بصورة بشعة، هل يمكن أن يفكروا بقتلي؟ لا... لا هذا مستحيل.
ظلت في حيرتها، ودوامة أفكارها، بينما الأسرة تتداول في شأنها، وماذا يفعلون بها، وهل صحيح ما بلغهم من كلام، أو مجرد افتراءات، صار القرار جلب قابلة تعمل ممرضة في مستشفى الولادة، لفحصها، والتأكد من عذريتها، فلو تبين إنها لم تعد طاهرة الذيل، يقتلُها أخوها، وإذا تبين إنها عفيفة يزوجونها لواحد من أقاربها، ويخرسون ألسن الناس، وتصبح مشكلة زوجها.
جاءت القابلة، فدخلت الأم على ابنتها أولاً، ففاتحتها بالموضوع، فرفضت أولاً، وعلا صوتها مستنكرة الأمر، فصفعتها أمها على فمها بقوة، وبحزم قالت: هل ألبستنا ثوب العار؟
- لا.. لا، والله لم يلمس أحد شعرة مني.
- إذا فلتفحصك القابلة، ونطمأن عليك بدلاً من تلوث يدي أخيك بدمك.
- أفعلوا ما تريدون، وستظهر براءتي.
استغرق الأمر ربع ساعة، ولكنه كان دهراً من الذل، والقهر، كان الموت أهون عليها من هذا الخزي.
خرجت القابلة تحمل البشارة بطهارة البنت، وإنها عذراء لم يمسها أحد، وقعت الأم مغشياً عليها من الفرح، وعادت البشاشة على وجوه أفراد الأسرة، وحمدوا الله على نعمة الشرف التي لم تدنس.
بينما البنت غرقت في بحرٍ من الدموع، ويسمع من في البيت نحيبها، شعر الجميع بالأسف لها، ولكن حانت ساعة القرار الذي يحفظ شرفهم وسمعتهم وهو زواجها، وقد تقدم لخطبتها من أخيها؛ ابن عمها، وابن خالها، وعليها الموافقة على أحدهما.
دعاها أخوها الكبير الذي هو بمثابة الأب لها بعد أبيها المتوفى، للحديث معها بعد أن هدأت، بادرها بسؤال لم تتوقعه، ما هي علاقتك بزيدون؟ صمتت، أعاد السؤال مرة أخرى، لم تجد مهرباً من الجواب، لكنها مترددة، ظلت مطرقة برأسها نحو الأرض، أخوها قال: أريد الكلام معك بصراحة ولكي امان الله ورسوله.
ما هي علاقتك بزيدون؟ لي الأمان؟ نعم، لك الأمان. هو يحبني ويريد الزواج مني.
قال: هذا أمر مشكوك فيه، لكن أنتِ هل تحبينه؟ تلجلج الكلام في فمها ثم قالت: نعم.
يا ربي أي حمقاء ابتليت بها، اليوم تقدم لخطوبتك اثنان، واحد ابن عمك والأخر ابن خالك، حسناً لو أثبتت لكِ بالدليل أن زيدون لا يحبك، هل توافقين على اختيار واحد من الخاطبين، وإذا لم أستطع إثبات ذلك أزوجك من زيدون، ما هو رأيكِ بهذه الصفقة؟ وهل هو اتفاق عادل؟
صمتت تتساءل؛ ماذا يقول أخي؟ هل هو جاد أو يمزح معي؟ وهل يستطيع الإثبات بالدليل زيدون لا يحبني؟ ثم قالت لنفسها؛ هل أنا متأكدة من حب زيدون لي؟
بعد التفكير وافقت على الاتفاق بشرط أن يضع يده على القرآن ويقسم أنه لن يخلف وعده، وهو شرط عليها نفس الشرط فأقسما أن يلتزمان بالاتفاق.
أخرج جهاز الموبايل وشغل مكالمة مسجلة بهذا اليوم جرت بينه وبين زيدون نظرت لتاريخها ووقت اجرائها هو اليوم بعد افتراقها عنه بخمس دقائق.
هذا صوته ماذا يقول: لو كان عدواً لها لما قال عنها ما قال، كلام كله تحريض واتهامات، كل كلمة كانت خنجراً مسموماً يطعنها في قلبها، في شرفها، دموعها تجري بحرقة، وهي تقول: أخي أغلقه رجاءً، أنا حمقاء كما قلت عني، ركعت على ركبتيها، وأخذت يده تقبلها، أخي أنا طوع بنانك، ولو قتلتني ما كنت عندي ملوماً.