قوات البيشمرگة بين الشرعية الدستورية ومتطلبات التوحيد المؤسسي
عمار مامند زيباري
أعاد الجدل السياسي والإعلامي في الآونة الأخيرة طرح تساؤلات بشأن الوضع القانوني لقوات البيشمرگة، ولا سيما في ظل دعوات تطالب بتسليم سلاحها أو إخضاعها لمعايير مماثلة لتلك التي تُطرح بشأن بعض التشكيلات المسلحة الأخرى. غير أن أي نقاش جاد حول هذا الموضوع يجب أن ينطلق من النص الدستوري بوصفه المرجعية العليا المنظمة لشكل الدولة واختصاصات سلطاتها ومؤسساتها.
ان دستور جمهورية العراق لسنة 2005 لم يقم على مبدأ الدولة المركزية البسيطة، وإنما أسس لنظام اتحادي يقوم على توزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم. وفي هذا الإطار اعترف الدستور بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة عند نفاذه، كما نصت المادة (121/خامساً) على حق حكومة الإقليم في إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم، بما فيها الشرطة والأمن وحرس الإقليم.
ومن الناحية الدستورية، تُعد قوات البيشمرگة التعبير العملي عن "حرس الإقليم" الذي أقره الدستور صراحة. ولذلك فإن وجودها لا يستند إلى أمر واقع سياسي أو تفاهمات مؤقتة بل إلى أساس دستوري مباشر يشكل جزءاً من البنية القانونية للنظام الاتحادي العراقي.
وفي المقابل، نصت المادة (9) من الدستور على حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار الدولة. ومن هنا يبرز التمييز القانوني الجوهري بين التشكيلات التي تستمد مشروعيتها من نص دستوري واضح، وبين أي تشكيلات أخرى لا تستند إلى أساس دستوري مماثل. فالمقارنة بين المراكز القانونية المختلفة لا تستقيم من الناحية الدستورية، لأن مبدأ المساواة يطبق على المراكز القانونية المتماثلة لا المختلفة.
كما أن البيشمرگة لم تكن ظاهرة مستحدثة بعد عام 2003، بل كانت مؤسسة قائمة ومعروفة قبل إقرار الدستور، وقد أخذها المشرّع الدستوري بنظر الاعتبار عند بناء النظام الاتحادي الجديد. ومن ثم فإن الاعتراف بها جاء ضمن تسوية دستورية شاملة حددت شكل العلاقة بين المركز والإقليم وأرست قواعد الشراكة في الدولة العراقية الجديدة.
ولا يعني ذلك انتفاء الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين قوات البيشمرگة والمؤسسات العسكرية الاتحادية، فهناك ملفات ما زالت محل نقاش، تتعلق بالتمويل والتسليح والتنسيق العملياتي والانتشار الأمني في بعض المناطق. غير أن هذه المسائل تدخل في نطاق تنظيم الاختصاصات وآليات التعاون بين السلطات، ولا تمس أصل الشرعية الدستورية لوجود قوات البيشمرگة .
وتزداد أهمية هذه المسألة عند التطرق إلى المناطق المتنازع عليها، إذ إن الدستور عالج هذا الملف من خلال المادة (140)، التي وضعت آليات دستورية لمعالجة أوضاع تلك المناطق. وبالتالي فإن أي خلاف يتعلق بالانتشار الأمني أو الإدارة المشتركة يجب أن يُحل في إطار النصوص الدستورية النافذة، لا عبر التشكيك بشرعية المؤسسات التي اعترف بها الدستور ذاته.
إن احترام الدستور يقتضي التمييز بين الخلاف حول الصلاحيات والخلاف حول المشروعية. فالأول قابل للحوار والتفاوض والتشريع والتنظيم، أما الثاني فلا يجوز حسمه بعيداً عن النصوص الدستورية الصريحة. ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الدائر حول قوات البيشمرگة ينبغي أن يبقى ضمن حدود النقاش القانوني الرصين، بعيداً عن الشعارات السياسية أو المقارنات التي تتجاهل الطبيعة الخاصة للنظام الاتحادي العراقي.
غير أن الدفاع عن المشروعية الدستورية لقوات البيشمرگة لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للواقع القائم أو إلى تجاهل متطلبات الإصلاح المؤسسي. فالمادة (121/خامساً) من الدستور عندما أجازت للإقليم إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي وحرس الإقليم، إنما قصدت قوات رسمية موحدة تتبع المؤسسات الدستورية للإقليم وتخضع لسلطة القانون، لا قوات موزعة الولاءات أو مرتبطة بالنفوذ الحزبي.
ومن هذا المنطلق، فإن استكمال مشروع توحيد قوات البيشمركة وإخراجها بصورة كاملة من دائرة التأثيرات الحزبية يمثل ضرورة دستورية قبل أن يكون مطلباً سياسياً أو إدارياً. فكلما تعززت وحدة القيادة العسكرية والمؤسسية وتكرست عقيدة مهنية وطنية خالصة، ازدادت قوة السند الدستوري لهذه القوات وترسخت مكانتها بوصفها “حرس الإقليم” المنصوص عليه في الدستور.
أما بقاء الانقسامات الحزبية أو ازدواجية مراكز القرار العسكري، فإنه يفتح الباب أمام تأويلات قانونية وسياسية قد تحاول وضع هذه القوات في موضع يتعارض مع فلسفة المادة (9) من الدستور التي تحظر وجود تشكيلات مسلحة خارج الأطر الرسمية للدولة. ولذلك فإن أفضل رد على الأصوات المشككة بدستورية البيشمرگة لا يكون بالشعارات السياسية، بل باستكمال بناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة تخضع حصراً للسلطات الدستورية المختصة وتمثل جميع مواطني الإقليم دون تمييز أو انتماء حزبي.
إن حماية المكانة الدستورية لقوات البيشمرگة لا تتحقق بمجرد التمسك بالنصوص الدستورية، بل تقتضي أيضاً استكمال متطلبات البناء المؤسسي الذي أراده الدستور. فالقوة التي تستمد مشروعيتها من المادة (121/خامساً) يجب أن تكون قوة وطنية مهنية موحدة، تدين بالولاء للمؤسسات الدستورية وحدها، وتخضع لقيادة قانونية واحدة وسلسلة أوامر واضحة بعيداً عن أي انقسام أو تأثير حزبي.
وعليه، فإن مشروع توحيد قوات البيشمرگة ليس استحقاقاً إدارياً فحسب، بل واجب دستوري يهدف إلى تجسيد مفهوم “حرس الإقليم” الذي نص عليه الدستور وترسيخ مبدأ احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح المشروع. فكلما تقدمت عملية التوحيد والمؤسساتية، ازدادت قوة الحجج القانونية المدافعة عن خصوصية وضع البيشمرگة الدستوري، وتضاءلت الذرائع التي تحاول مساواتها بالتشكيلات المسلحة الأخرى.
وبذلك فإن الطريق الأمثل للحفاظ على شرعية البيشمرگة وتعزيز دورها الوطني لا يكمن في السجالات السياسية، وإنما في استكمال عملية الإصلاح والتوحيد وبناء مؤسسة عسكرية احترافية تمثل جميع مواطني إقليم كوردستان، وتعمل في إطار الدستور العراقي والنظام الاتحادي الذي أقره الشعب العراقي بإرادته الحرة ..