في سباق التعاقدات بدوري المحترفين
أربيل مع زاخو تشعلان أجور اللاعبين رغم العجز المالي
النجف - نجم عبد كريدي
منذ سنوات طويلة، كانت كرة القدم تُعرف بأنها لعبة الفقراء لأنها اللعبة الأقرب إلى الناس والأكثر قدرة على جمعهم دون تمييز. أما اليوم، فقد تحولت إلى واحدة من أكبر الصناعات الاقتصادية في العالم، وأصبحت سوق الانتقالات أشبه ببورصة مالية تتحكم بها الأرقام أكثر مما تتحكم بها الجوانب الفنية.
وما شهدته الساحة العراقية خلال الأيام الماضية من تنافس بين ناديي أربيل وزاخو للتعاقد مع قائد المنتخب العراقي أيمن حسين، أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل موسم:
هل يستحق لاعب كرة القدم المبالغ الضخمة التي يتقاضاها؟
- فأيمن حسين، وبعد انتهاء تجربته مع الكرمة التي لم تكن موفقة بسبب الإصابات، تلقى عرضاً من نادي أربيل بلغت قيمته 750 مليون دينار عراقي، لكنه طلب عقداً بقيمة مليار دينار، لينتهي التفاوض بين الطرفين. وفي المقابل، دخل زاخو بقوة على خط المفاوضات وهو يحاول تلبية المطالب المالية نفسها، وسط توقعات بقرب إتمام الصفقة.
طموحات زاخو
ولم تتوقف طموحات زاخو عند هذا الحد، إذ تشير الأخبار إلى تقديمه عرضاً يقارب مليون دولار لعلي جاسم، فضلاً عن التعاقد مع مصطفى سعدون مقابل 500 مليون دينار عراقي، في رسالة واضحة بأن النادي يسعى لبناء فريق قادر على المنافسة مهما كانت الكلفة. هذه الأرقام قد تبدو صادمة للجمهور العراقي، لكنها في الحقيقة ليست سوى انعكاس لما وصلت إليه كرة القدم الحديثة، التي أصبحت صناعة تجارية ضخمة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ففي بدايات اللعبة لم يكن اللاعب يتقاضى سوى مكافآت بسيطة، بل إن دفع الأموال للاعبين كان يعد فضيحة عندما منح نادي داروين الإنكليزي مكافآت للاعب الأسكتلندي فيرغي سوتر في سبعينيات القرن التاسع عشر، الأمر الذي دفع الاتحاد الإنكليزي إلى تشريع الاحتراف عام 1885، ثم فرض سقفاً للرواتب بلغ أربعة جنيهات إسترلينية أسبوعياً.واستمر العمل بسقف الرواتب حتى عام 1961، حين قاد جيمي هيل، رئيس رابطة اللاعبين المحترفين في إنجلترا، حملة تاريخية لإلغائه، مؤمناً بأن اللاعب يستحق أجراً يتناسب مع قيمته الفنية. وبعد نجاحه في ذلك، تغيرت خريطة كرة القدم إلى الأبد، وأصبح اللاعب حراً في تحديد مطالبه المالية، وبدأت الأندية تدخل في سباق مفتوح للفوز بخدمات النجوم.ومنذ ذلك الحين، تسارعت عجلة الأموال بصورة مذهلة. فبعد أن كان انتقال اللاعب بمبلغ عشرة آلاف جنيه يعد حدثاً استثنائياً، أصبحت الصفقات لاحقاً بالملايين، ثم بعشرات الملايين، حتى وصلنا اليوم إلى عقود ورواتب بمئات الملايين من الدولارات حول العالم.وفي العراق، بدأت ملامح هذه الطفرة تظهر بوضوح خلال المواسم الأخيرة، إذ ارتفعت قيمة العقود بصورة غير مسبوقة، وأصبحت بعض الأندية تدخل في منافسة شرسة لاستقطاب النجوم، حتى وإن تجاوزت الأرقام إمكاناتها المالية.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي هل القيمة المالية تعكس دائماً القيمة الفنية؟
- لا أحد يختلف على أن اللاعب المتميز يستحق التقدير، وأن الموهبة سلعة نادرة، لكن كرة القدم ليست مجرد لاعب واحد. فنجاح أي فريق يحتاج إلى منظومة متكاملة تضم الإدارة، والمدرب، وبقية اللاعبين، والجمهور، والاستقرار المالي.كما أن المبالغة في قيمة العقود قد تخلق فجوة كبيرة بين اللاعبين، وتضع الأندية تحت ضغوط مالية قد تؤثر مستقبلاً في استقرارها، خصوصاً إذا لم يقابل تلك النفقات نجاح فني أو عائد استثماري حقيقي.
وفي المقابل، هناك من يرى أن اللاعب هو العنصر الأهم في اللعبة، وهو من يجذب الجماهير والرعاة وحقوق النقل التلفزيوني، وبالتالي فمن الطبيعي أن يحصل على نصيب كبير من الأموال التي تولدها كرة القدم.
وبين هذين الرأيين تبقى الحقيقة ثابتة؛ فالأموال ستواصل دورانها ما دامت كرة القدم تحقق الأرباح، وما دامت الأندية تجد من يدفع، واللاعب يجد من يشتري موهبته.
أما صفقتا أيمن حسين وعلي جاسم، فهما ليستا سوى حلقة جديدة في مسلسل تضخم أسعار اللاعبين، الذي بدأ قبل أكثر من قرن، ولا يبدو أن نهايته قريبة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع الرياضي العراقي مع كل موسم انتقالات:
هل نحن أمام استثمار حقيقي في النجوم، أم أمام سباق إنفاق قد يتجاوز حدود المنطق؟