الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في رواية أوليفر تويست: بين الواقعية الاجتماعية والمثالية الأخلاقية


قراءة نقدية في رواية أوليفر تويست: بين الواقعية الاجتماعية والمثالية الأخلاقية

نوري جاسم

 

ليست رواية «أوليفر تويست» لتشارلز ديكنز مجرد قصة عن طفل يتيم يبحث عن مأوى وكرامة، وإنما هي صرخة أدبية في وجه مجتمع سمح للفقر أن يتحول إلى قدر، وللطفولة أن تصبح ضحية لمؤسسات يفترض أنها وجدت لحمايتها. وربما لهذا السبب بقيت الرواية حية في الذاكرة الإنسانية منذ صدورها عام 1838، لأنها لم تتحدث عن زمنها فقط، بل عن الإنسان في كل زمان. ونجح ديكنز في أن يجعل من شخصية أوليفر رمزًا للبراءة التي تقاوم القسوة، دون أن تمتلك سوى نقاء القلب. وعلى الرغم من أن الرواية تدور في شوارع لندن الفقيرة، فإنها في حقيقتها تسير في شوارع الضمير الإنساني، حيث يتصارع الخير والشر، والرحمة والقسوة، والعدل والظلم. وتكمن قوة الرواية في أنها لم تكتفِ بوصف الفقر، بل كشفت جذوره الاجتماعية. فالجريمة، في رؤية ديكنز، ليست دائمًا نتاج طبيعة شريرة، وإنما قد تكون ثمرة بيئة قاسية حرمت الإنسان من أبسط حقوقه. ومن هنا جاءت شخصيات مثل فاجن وبيل سايكس لتجسد عالمًا صنعه التهميش بقدر ما صنعه الانحراف. ولكن ديكنز، في المقابل، وقع أحيانًا في قدر من المثالية الأخلاقية. فقد رسم شخصية أوليفر بصورة تكاد تخلو من نقاط الضعف، حتى بدا أشبه برمز أخلاقي أكثر منه إنسانًا من لحم ودم. وهذه المثالية، وإن خدمت الرسالة الإنسانية للرواية، فإنها قد تُضعف شيئًا من واقعيتها الفنية، لأن الإنسان بطبيعته مزيج من الفضائل والنقائص. وكما أن الرواية تعتمد في بعض محطاتها على المصادفات التي تُيسر مسار الأحداث، وهو ما يراه بعض النقاد نقطة ضعف في البناء السردي. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من القيمة الكبرى للعمل، لأن ديكنز لم يكن يكتب رواية بوليسية تبحث عن الحبكة المحكمة بقدر ما كان يكتب أدبًا يسعى إلى إيقاظ الضمير الاجتماعي. وإن سر خلود «أوليفر تويست» لا يكمن في أحداثها وحدها، بل في قدرتها على طرح سؤال لا يزال حاضرًا حتى اليوم: ماذا يحدث عندما يتخلى المجتمع عن أطفاله؟ إنه سؤال لم يفقد راهنيته، فما زالت صور الفقر، والاستغلال، وأطفال الشوارع، والحرمان، تتكرر بأشكال مختلفة في كثير من المجتمعات، مما يجعل الرواية أقرب إلى مرآة تعكس واقعًا مستمرًا، لا صفحة من الماضي.

لقد أثبت تشارلز ديكنز أن الأدب العظيم لا يقتصر على التسلية، بل يحمل رسالة أخلاقية وإنسانية قادرة على التأثير في الوعي العام. ولذلك بقيت «أوليفر تويست» واحدة من أهم الروايات العالمية، ليس لأنها خالية من المآخذ الفنية، بل لأنها استطاعت أن تجعل من معاناة طفل واحد قضية تخص البشرية كلها، وأن تؤكد أن الأدب الحقيقي هو الذي يدافع عن الإنسان قبل أي شيء آخر.  وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  ..

 


مشاهدات 23
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/07/26 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 12:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 29033 الكلي 15934160
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير