الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأرجنتين بين سحر مارادونا ودهاء ميسي

بواسطة azzaman

حكاية المجد والتحوّل في كأس العالم

الأرجنتين بين سحر مارادونا ودهاء ميسي

بغداد- معتصم الصالح

لا يمكن الحديث عن الأرجنتين في كأس العالم من دون التوقف عند عام 1986، حين تحول دييغو أرماندو مارادونا من لاعب موهوب إلى قائد استثنائي حمل منتخباً كاملاً على كتفيه.

بعد خيبة مونديال إسبانيا 1982، وصلت الأرجنتين إلى المكسيك بصورة أكثر نضجاً وصلابة. كان مارادونا قائد الفريق ومحور لعبه ومصدر ثقته. لم يكن تأثيره مقتصراً على الأهداف والمراوغات، بل ظهر في قدرته على قراءة الملعب، وتحمل المسؤولية، وقيادة زملائه في أصعب اللحظات.

سجل هدفين أمام إنجلترا وهدفين أمام بلجيكا، وصنع فرصاً حاسمة في مباريات أخرى. وقدمت الأرجنتين بطولة استحقت الفوز بها، لأنها جمعت بين التنظيم الجماعي وعبقرية القائد.

لكن المشهد تغير في مونديال 1990 بإيطاليا. دخلت الأرجنتين البطولة بصفتها حاملة اللقب، إلا أنها بدت أبطأ وأقل إبداعاً. اعتمد الفريق بصورة كبيرة على الدفاع، وعلى سرعة كلاوديو كانيجيا، وتألق الحارس سيرخيو غويكوتشيا في ركلات الترجيح.

وصلت الأرجنتين إلى النهائي، لكن كرة القدم التي قدمتها لم تكن جميلة أو مقنعة. كان الفريق يلعب من أجل البقاء، لا من أجل فرض أسلوبه. الدفاع الطويل، وإبطاء اللعب، والاعتماد على ركلات الترجيح، كلها جعلت مشواره ناجحاً من ناحية النتائج، لكنه فقيراً من ناحية المتعة.

خسرت الأرجنتين النهائي أمام ألمانيا الغربية بهدف من ركلة جزاء متأخرة. وأثارت المباراة جدلاً واسعاً، لكن الادعاءات المتعلقة بوجود تعليمات لمصلحة ألمانيا بقيت مجرد آراء لم تثبت بالدليل.

المسؤول الوحيد

لم تكن الأرجنتين وحدها مسؤولة عن كرة القدم الحذرة في تلك الفترة. فقد شهد مونديال 1990 مباريات كثيرة اعتمدت على التمرير المتكرر إلى حارس المرمى، وقتل الوقت، وتجنب المخاطرة. وكانت مباراة مصر وجمهورية أيرلندا مثالاً واضحاً على هذا النوع من اللعب.

أسهمت تلك البطولة في دفع كرة القدم إلى تغيير بعض قوانينها. جاء قانون منع الحارس من إمساك الكرة المعادة إليه عمداً من زميله، كما أصبح الفوز يساوي ثلاث نقاط في كثير من البطولات، بهدف تشجيع الهجوم وتقليل الميل إلى التعادل.

بعد جيل مارادونا، أنتجت الأرجنتين عدداً كبيراً من النجوم، لكنها لم تنجح دائماً في تكوين منتخب متكامل. ظهر باتيستوتا وكريسبو وريكيلمي وسافيولا، ثم جاء ليونيل ميسي، لكن وجود المواهب وحده لم يكن كافياً للفوز بكأس العالم.

في 2014، بلغت الأرجنتين النهائي، لكنها خسرت أمام ألمانيا بعد التمديد. كان الفريق قوياً ومنظماً، لكنه لم يقدم دائماً كرة القدم الهجومية التي ينتظرها الجمهور من الأرجنتين.

أما في 2022، فقد ظهرت شخصية مختلفة تماماً. دخلت الأرجنتين البطولة بوصفها فريقاً حقيقياً، لا مجموعة من الأسماء. كان ميسي القائد والمرجع الفني، لكنه لم يكن وحده.

امتلك المنتخب وحدة جماعية، وشراسة في الدفاع، ومرونة تكتيكية، وقدرة كبيرة على تغيير أسلوبه بحسب ظروف المباراة. وكان اللعب بلمسة واحدة من أبرز أسلحته. تمريرات سريعة، وتحركات ذكية، وقدرة على مفاجأة الخصم من دون احتفاظ زائد بالكرة.

لم يكن المنافس يعرف دائماً أين ستذهب التمريرة التالية إلى الأمام، أو إلى الطرف، أو إلى مساحة خلف الدفاع. وقد جعل هذا التفاهم الأرجنتين واحدة من أكثر فرق البطولة ذكاءً.

لكن قوة منتخب 2022 لم تكن في الجمال فقط. كان الفريق يعرف كيف يعاني، وكيف يدافع، وكيف ينتظر، وكيف يحسم المباريات تحت الضغط. وفي النهائي أمام فرنسا، قدمت الأرجنتين أداءً رائعاً، ثم واجهت عودة فرنسية قوية، قبل أن تحسم اللقب بركلات الترجيح.

كان تتويج قطر انتصاراً للموهبة والذكاء والشخصية. أعاد ميسي الكأس إلى الأرجنتين بعد ستة وثلاثين عاماً، لكنه فعل ذلك من داخل فريق متماسك، لا بوصفه بطلاً منفرداً.

قمة صعبة

ومع ذلك، فإن البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها. بعد الفوز، تبدأ المنتخبات المنافسة بدراسة كل حركة وكل تمريرة. وما كان مفاجئاً في 2022 يمكن أن يصبح معروفاً ومتوقعاً بعد ذلك.

لهذا قد تبدو الأرجنتين أحياناً أبطأ أو أقل خطورة. وقد تجد صعوبة في تكرار اللمسة السحرية نفسها، خصوصاً مع تقدم بعض نجومها في العمر. لكن ذلك لا يعني أنها فقدت قوتها.

المنتخب الخبير لا يحتاج إلى السيطرة طوال المباراة. يكفيه أن يعرف كيف يدير الوقت، ويحافظ على توازنه، ويستغل اللحظة المناسبة. وقد أصبحت الأرجنتين بارعة في هذا النوع من كرة القدم.

يمكن للمنتقد أن يرى في ذلك حذراً زائداً، واعتماداً على التفاصيل وركلات الترجيح. ويمكن للمؤيد أن يراه نضجاً وقوة نفسية وذكاءً في إدارة المباريات. والحقيقة أن المنتخب يجمع بين الأمرين.

أما الحديث عن الغش أو المنشطات أو المؤامرات، فيجب التعامل معه بحذر شديد. لا يجوز تقديم الشكوك على أنها حقائق من دون دليل. كرة القدم مليئة بالجدل، لكن قيمة البطولة تبقى مرتبطة بنزاهة المنافسة.

قد يتمنى المشجع فوز فريقه بأي طريقة، لكنه في النهاية يريد بطولة يستطيع الافتخار بها. فالكأس لا تعيش في الذاكرة بسبب النتيجة فقط، بل بسبب الطريقة التي تحققت بها.

يُذكر منتخب 1986 بفضل عبقرية مارادونا وشجاعته القيادية. ويُذكر منتخب 2022 بفضل ميسي، ووحدة الفريق، وذكائه التكتيكي، وقدرته على الصمود.

اللعب الجميل

لقد تغيرت الأرجنتين بين جيل وآخر، لكنها بقيت واحدة من أكثر الأمم تأثيراً في تاريخ كرة القدم. تقدم المهارة والعاطفة والجدل والدراما، وتعيش دائماً بين الرغبة في اللعب الجميل والحاجة إلى تحقيق النتيجة.

سينتهي عصر ميسي كما انتهى عصر مارادونا. وسيأتي يوم تبحث فيه الأرجنتين عن قائد جديد وجيل جديد. لكن التحدي الحقيقي لن يكون في العثور على لاعب موهوب فقط، بل في بناء فريق يعرف كيف يفوز بذكاء، من دون أن يفقد روح اللعبة وجمالها.

 


مشاهدات 44
أضيف 2026/07/25 - 1:45 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 3:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 265 الشهر 26845 الكلي 15931972
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير