الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تحالفات ما بعد الزيدي.. إعادة رسم النفوذ في العراق

بواسطة azzaman

تحالفات ما بعد الزيدي.. إعادة رسم النفوذ في العراق

محمد عبيد حمادي

 

في بغداد، لا تسقط الحكومات دفعة واحدة، ولا تُبنى التحالفات بقرارات معلنة فقط. السياسة العراقية تتحرك غالباً داخل المساحات الرمادية؛ حيث تُعقد الصفقات في اللحظات الحرجة، وتُعاد صياغة الولاءات وفق موازين القوة لا وفق الشعارات. ومع صعود رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، يبدو أن العراق يقف أمام مرحلة سياسية مختلفة، قد لا تُشبه تماماً نماذج “التوافق التقليدي” التي حكمت البلاد منذ عام 2003.

الزيدي لا يأتي بوصفه مجرد شخصية توافقية عابرة، بل باعتباره نتاج أزمة عميقة داخل بنية النظام السياسي نفسه؛ أزمة أنهكت القوى التقليدية، وأضعفت قدرة الأحزاب الكبرى على المحافظة على تحالفاتها القديمة، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية بطريقة أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية.

في الكواليس السياسية، يدرك الجميع أن المرحلة المقبلة لن تكون قائمة على “الأغلبية العددية” فقط، بل على القدرة في إدارة شبكة المصالح المتشابكة بين القوى الشيعية والسنية والكردية، إضافة إلى اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين ما زالوا يمتلكون تأثيراً مباشراً في القرار العراقي.

التحالفات الجديدة التي يُتوقع أن تتشكل حول الزيدي لن تكون تقليدية بالمعنى المعروف. فالرجل، وفق المعطيات السياسية الحالية، قد يتجه إلى بناء محور سياسي عابر للاستقطاب الحاد داخل الإطار التنسيقي، مستفيداً من حالة الإرهاق التي أصابت القوى الشيعية بعد سنوات من الصراع الداخلي على النفوذ والمناصب. هذا المحور قد يضم شخصيات تكنوقراطية وقوى سياسية تبحث عن “الاستقرار التنفيذي” أكثر من البحث عن المكاسب الأيديولوجية.

لكن التغيير الأهم قد لا يكون داخل البيت الشيعي فقط، بل في شكل العلاقة الجديدة مع القوى السنية والكردية. خلال السنوات الماضية، تعاملت القوى السنية والكردية مع بغداد بمنطق “الشراكة المشروطة”، أي المشاركة مقابل الضمانات السياسية والمالية. إلا أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً نحو تحالفات أكثر مرونة، قائمة على تقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار والطاقة والاستثمار.

في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، هناك قوى سنية بدأت تدرك أن النفوذ الحقيقي في بغداد لا يُبنى عبر الخطاب التصعيدي، بل عبر الدخول في تحالفات طويلة الأمد مع مركز القرار التنفيذي. وهذا ما قد يمنح الزيدي فرصة لبناء كتلة سياسية داعمة تتجاوز الاصطفافات الطائفية التقليدية، ولو بصورة جزئية.

أما في إقليم كردستان، فإن الحسابات تبدو أكثر تعقيداً. فالقوى الكردية تدرك أن أي حكومة عراقية مستقرة تعني بالضرورة إعادة فتح ملفات النفط والموازنة والمنافذ الحدودية. لذلك، فإن العلاقة مع حكومة الزيدي قد تتحول إلى شراكة تفاوضية حذرة؛ لا تصل إلى القطيعة، لكنها أيضاً لن تكون تحالفاً مجانياً.

إقليمياً، تبدو التحولات أكثر حساسية. إيران ستسعى للحفاظ على نفوذها داخل بغداد، لكنها في الوقت نفسه قد تُفضّل نموذجاً حكومياً أقل صدامية وأكثر قدرة على احتواء الضغوط الأميركية. في المقابل، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى أي رئيس وزراء عراقي من زاوية قدرته على ضبط الفصائل المسلحة وحماية المصالح الغربية ومنع العراق من الانزلاق الكامل إلى المحور الإيراني.

هنا تحديداً تظهر أهمية الزيدي؛ إذ إن نجاحه لن يُقاس فقط بعدد المقاعد البرلمانية الداعمة له، بل بقدرته على إنتاج “توازن مقبول” بين واشنطن وطهران، وهي معادلة أسقطت رؤساء حكومات سابقين أو أضعفتهم تدريجياً.

لكن التحدي الأخطر قد يكون داخلياً، لا خارجياً. فكل محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي تعني بالضرورة وجود قوى خاسرة. الأحزاب التي ستشعر بتراجع نفوذها لن تقف مكتوفة الأيدي، وقد تلجأ إلى استخدام البرلمان أو الشارع أو حتى المؤسسات الإدارية لتعطيل مشروع الزيدي إذا شعرت أن مراكز القوة التقليدية بدأت تتفكك.

العراق اليوم لا يعيش فقط أزمة حكومة، بل أزمة نموذج سياسي كامل. المواطن الذي خرج في احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية لم يعد مهتماً كثيراً بالشعارات الطائفية القديمة، بل بات يبحث عن دولة قادرة على توفير الخدمات وفرص العمل والاستقرار. وهذه التحولات الاجتماعية تفرض على الطبقة السياسية إعادة إنتاج نفسها بطريقة مختلفة.

ولهذا، فإن التحالفات الجديدة التي قد تتشكل في عهد علي الزيدي لن تكون مجرد تفاهمات انتخابية عابرة، بل ربما تمثل بداية انتقال تدريجي من مرحلة “سياسة المكونات” إلى مرحلة “سياسة المصالح”. وهي عملية لن تكون سهلة أو سريعة، لكنها قد تعيد رسم شكل السلطة في العراق خلال السنوات المقبلة.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الزيدي القدرة على تحويل هذه التحالفات إلى مشروع دولة حقيقي، أم أن النظام السياسي العراقي سيبتلع التجربة الجديدة كما ابتلع محاولات سابقة؟

الإجابة لن تأتي من الخطابات السياسية، بل من قدرة الحكومة المقبلة على كسر الحلقة التقليدية التي حكمت العراق طوال عقدين: السلطة مقابل التوافق، لا السلطة مقابل الإنجاز.

 

 


مشاهدات 32
الكاتب محمد عبيد حمادي
أضيف 2026/05/30 - 1:30 PM
آخر تحديث 2026/05/31 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 29437 الكلي 15874631
الوقت الآن
الأحد 2026/5/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير