حين يكتب الفصل الأخير من أسطورة الأمان الوظيفي
موفق البياتي
لا يعود السؤال « كم الراتب « بل
« هل سنقبضه في الاشهر القادمة «
حين لم يعد السؤال في المقاهي العراقية والبيوت اليوم : كم زاد الراتب ؟ بل صار السؤال الملئ بالرجفة « هل سيأتي الراتب « بين مطرقة الاسواق المشتعلة وسندان الموازنات المعطلة ، يقف الموظف العراقي وحيداً يقلب كفيه على القوة الشرائية التي تبخرت ، وعلى عمر افناه في خدمة الدولة ليجد نفسه يطارد سراباً عند ابواب الصرف الالي ، فلم تعد الوظيفة اليوم ذلك الحصن الدافئ الذي احتمى به الناس طويلاً ، ولا الراتب ذلك اليقين الشهري الذي يبنى عليه معنى الاستقرار .
نحن اليوم امام تحول صامت لا تعلنه نشرات الاخبار و وسائل الاتصال الاخرى ، لكنه يتسلل الى التفاصيل اليومية ، الى القلق الذي يسبق نهاية كل شهر والى السؤال الذي لم يكن يطرح من قبل ، فلقد كان السؤال بسيطاً : كم الراتب ؟ ، اما الان ، فقد تغير السؤال دون ضجيج واصبح اكثر قسوة ، واكثر ارباكا : هل سنقبض الراتب عند نهاية هذا الشهر؟
حقاً انها لحظة انكشاف لا للارقام فحسب ، بل لفكرة الامان نفسها والتي تبدأ بالاهتزاز في داخلنا قبل ان تتخذ اشـــكالاً لها في الخارج .
سيكولوجية الذعر في اقطاعية الموظفين
لقد ظل « الراتب « في الوجدان الجمعي العراقي لعقود طويلة ، ليس مجرد وسيلة للتبادل التجاري ، او رقماً يودع في الحسابات ،بل كان « الصنم « الاقتصادي الذي يعبد في محراب الاستقرار حين كانت الوظيفة الحكومية هي « الحصن الحصين « الذي يلوذ به العراقي من غدر الزمان وتقلبات الايام ، لكننا اليوم وفي ظل الانكسارات الاقتصادية المتلاحقة ، نقف امام مشهد تراجيدي بامتياز ، مشهد يتداعى فيه صنم الامان الوظيفي امام اعيننا ، وتلفظ اسطورة « الدولة الرعوية « التي ترتَبت عليها الاجيال انفاسها الاخيرة ، انه مشهد الصدمة الحقيقية ، فهذه الصدمة لاتكمن في غلاء المعيشة فحسب بل في تحول « اليقين « الى « شك «
قديماً كان الموظف يخطط لحياته بناءً على موعد ثابت ، اما اليوم فقد دخلنا عصر « الارتجاف الشهري « حيث لم يعد الحديث في المقاهي او في اروقة الوزارات يدور حول « السلم الوظيفي « او « العلاوات المرتقبة « فلقد انتقل الحديث الى منطقة الوجودية الكبرى والسؤال الاهم : هل ستظل تلك الماكنات الصماء في المصارف تنفث الاوراق النقدية في الشهر القادم ، ام اننا استنفذنا رصيد الصبر والنفط معاً
عندما يصبــح المـال ورقـاً لا يغنــي مـن جــوع
بينما تنشغل الصالونات السياسية بمناقشة الموازنات المعطلة وجداول العجز ، يواجه المواطن حقيقة اشد مرارة ، فالراتب الذي كان يستر العائلة صار اليوم « كسيراً» امام طوفان الاسعار ، فلقد بدأنا فعلياً حقبة « الفقر الوظيفي» حيث يمتلك الفرد وظيفة كاملة ومرتبا رسمياً ، ومع ذلك يجد نفسه عاجزاً عن تأمين ابسط ثنائيات البقاء « الخبز والماء
ان المعادلة الاقتصادية في العراق اليوم مشوهة ، فالدينار الذي يودع في جيوب الموظفين ، يخرج منها بسرعة الضوء ليغذي الة التضخم التي لا تشبع ، نحن لا نتحدث هنا عن رفاهية مفقودة بل عن « تآكل النخاع المعيشي» وحين يقترن هذا التآكل باشاعة تأخير الرواتب تتحول هذه الحياة الى جحيم من القلق النفسي ، فالموظف العراقي لم يعد يهاب مديره في العمل ، لكنه يرتعب من صاحب ( المول) ومن جابي المولد ، وفي هذه اللحظة بالتحديد يعلن الخوف بصوته المدوي عن انهيار العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة .
هـل ثمـة حيـاة خـارج العبـوديـة الشهــريــة
ان كتابة الفصل الاخير من اسطورة الامان الوظيفي تفرض علينا مواجهة السؤال المستحيل : ماذا بعد؟ وقد اصبح الركون الى ريع النفط وانتظار الفضلات التي تجود بها ميزانية الدولة انتحاراً ، ماذا بعد؟ وقد تحولت الدولة التي كانت الام الرؤوم الى رب عمل مفلس يَمن على موظفيه بفتات يتأخر بقرار سياسي او بأهتزاز في اسواق الطاقة العالمية .
ان اي تحليل عميق للمستقبل يقضي وبلا شك الى اننا امام تحول جذري في بنية المجتمع ، فالخوف من انقطاع الرواتب وما يشاع عن ذلك سيفجر وبلا شك طاقات مكبوتة .
بقية المقال على الموقع الالكتروني لجريدة (الزمان)
لكنه ايضا سيخلق فوضى اجتماعية اذا لم يتم تداركه فالعبودية الشهرية التي كبلَت الابداع العراقي لعقود تقطع اغلالها اليوم ليس بفأس العوز ، بل بقرار حر ، وعند هذه النقطة سيكتب الفصل الاخير بمداد من القلق ، فاذا لم يستفق اصحاب القرار من سكرة « الارقام الورقية « ليواجهو انين البطون الخاوية ، فأن السؤال القادم لن يكون « هل سنقبض الراتب « بل سيكون « ماذا سنفعل حين لا يجد الراتب شيئاً ليشتريه في وطن يباع فيه كل شيء الا الكرامة .
قـاضٍ متقــاعــد