الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خلف السِّتار.. تراتيل المقعد الثالث

بواسطة azzaman

خلف السِّتار.. تراتيل المقعد الثالث

جهينه الحسام

 

دخلتُ إلى قاعتي الرتيبة كأيِّ يومٍ مضى، غريبةً عن تفاصيلي، وجسدي مجرّد غلافٍ باهتٍ بمقعدٍ بارد. لم يكن عقلي هناك؛ كان معلّقاً على مِقصلة الوقت، يسألُ اللحظةَ بعينين شاخصتين: متى ينفرجُ هذا الباب العقيم ليعبرَ منه الضياء؟

وفجأةً... انشقَّ الصمتُ وانفرجَ الباب.

لَمحتُ وجهه، فحدثتْ في صدري جلبةٌ غامضة؛ كأنَّ سرباً من طيورٍ بريّةٍ ذُعِرتْ فجأة، فأخذت تضربُ بأجنحتها جدران أضلعي، تحاول الطيران في سماءٍ ضيقة. سارَ من أمامي كأنّه يعبرُ فوق أوتاري، ومع كلّ خطوةٍ يطبعُها على الأرض، كان قلبي يقفزُ من مكانه، يودُّ لو يسبقه إليه.

تمتمَ بكلمةٍ عابرة، لكنّها هطلتْ عليّ كالصاعقة. كنتُ أعلمُ سرّها المدفون؛ علمْتُ أنّه نطقَ بها لأنّهم نسجوا حولنا شباك الإبعاد، وأرادوا بترَ الحبل السرّي الذي يربطُ أرواحنا. قال بصوتٍ مخنوقٍ بالتمرد:

قولوا لي أن أخرج من القاعة..."

كانت كلماته قناعاً يخفي وراءه رغبةً عارمة في البقاء، رغبةً غلبتْ كبرياءه.

تحرّك صوبي، وجلسَ في المقعد المجاور. لم يكن بيننا سوى فراغ ماديّ—مقعدٌ واحدٌ يمثّل مسافة العالم بأكمله. جلسَ هناك يوزّع حديثه على الماثلين، يثرثرُ مع هذا وذاك، لكنَّ بوصلة عينيه كانت محكومةً بمداري؛ كانت عيناه تناظرني وتستجدي نظرتي بلهفةٍ صامتة.

كنتُ كلّما رفعتُ رأسي هرباً من ثقل مشاعري، أجدُ نفسي غارقةً في محيط عينيه. كان يمازحُ الحضور ويطلقُ الضحكات، لكنني—وحدي من بين هذا الحشد الأعمى—كنتُ أدركُ النغمة الحزينة في بحّة صوته. كان يضحكُ ليشتري ضحكتي، ويزرعُ الفرح في الممرّات الضيقة لملامحي، رغم الوجع الممتدّ بيننا كخطٍّ حديديّ لا يلتقي طرفاه.

كنا نتبادل حبّاً سريّاً مغسولاً بدمع الحرمان، نتحدث بلغة الأعين التي لا يفقهُ أبجديتها الطغاة الذين أرادوا الفراق لنا. نضحك في العلن، وتبكي أرواحنا في الخفاء خلف مقعدٍ فارغٍ شهدَ على أعظم حكايةٍ لم تُحْكَ قط

 

 


مشاهدات 47
الكاتب جهينه الحسام
أضيف 2026/06/07 - 2:24 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 94 الشهر 6828 الكلي 15882309
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير