الشيخوخة في زمن العقوق
جاسم محمد حمزة
لعل من الظواهر المؤلمة والدخيلة على مجتمعنا ظاهرة تعنيف كبار السن من بعض الأبناء التي تنتهك أقدس الروابط الإنسانية والأسرية فمن المفترض أنْ يكون الأبناء هم السند والمعين لآبائهم في مرحلة الضعف والشيخوخة لا أنْ يتحولوا إلى مصدر أذى نفسي أو جسدي وبالرغم من أنّ قيمنا الدينية والاجتماعية توصي بالبرّ والرحمة إلاّ أنّ بعض الأبناء باتوا يتعاملون مع آبائهم بقسوة وجفاء ، بل يصل الأمر أحياناً إلى الإهانة والطرد والإهمال وكأنّ مَنْ أفنوا أعمارهم في تربيتهم أصبحوا عبئاً على حياتهم اليومية وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مؤلمة تهزّ الضمير الإنساني وتكشف حجم الانحدار الأخلاقي الذي وصلت إليه بعض الأُسر فها هو مسنٌّ طاعن في السن يُصور وهو يُطرد من بيت ابنه ويُطلب منه مغادرة الدار إلى الشارع وكأنّه غريب لا يُعرف ولا يُنتسب وها هي أم مسنّة تُبكي الملايين حين تشتكي بصوتٍ مرتجف من ضرب ابنها لها وتقول إنّها تخشى الليل ؛لأنّه لا ينام حتى يصرخ أو يصفعها مشاهد لا تُنسى يتداولها الناس بألم ويعلقون بكلمات الحسرة على جيلٍ لم يعرف قيمة الوالدين ولا معنى البر وتُعزى هذه الظاهرة في كثير من الأحيان إلى أسباب عدة أبرزها ضعف الوازع الديني وغياب التربية الأخلاقية التي تغرس معنى البِرّ والتقدير ، كما أسهمت الثقافة المادية الحديثة في ترسيخ مبدأ الأنانية والنفعية فبات البعض لا يرى من حوله إلاّ بمنظار المصلحة الذاتية فضلًا عن تأثير الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تُروّج لنماذج حياتية منفصلة عن الأسرة تجعل الالتزام برعاية الوالدين أمراً ثانوياً أو غير ضروري في نظر البعض هذا إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع بعض الأبناء إلى التنفيس عن أزماتهم بممارسات مؤذية تجاه والديهم أو تبرير تقصيرهم تحت غطاء الحاجة والضغط.