الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السير على حبل مشدود.. كيف يمسك الشرق الأوسط العصا من المنتصف؟

بواسطة azzaman

السير على حبل مشدود.. كيف يمسك الشرق الأوسط العصا من المنتصف؟

موسى جعفر

 

لم يُعد الشرق الأوسط مُجرد مسرح لتلقي الإملاءات الدولية أو ساحة خلفية لتصفية حسابات القوى العظمى؛ فالمنطقة تعيش اليوم مرحلة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة التي أعادت رسم خرائط النفوذ والتحالفات. وفي عالم يتجه متسارعًا نحو تعددية قطبية قلقة، تخلت العواصم الإقليمية المؤثرة عن فكرة التبعية الأيديولوجية العمياء لمعسكر واحد، واستبدلتها بسياسة براغماتية صارمة تُعرف في أدبيات السياسة الحديثة بـالتحوط الاستراتيجي أو ما يُصطلح عليه شعبيًا بـ "مسك العصا من المنتصف". إنها معادلة السير على حبل مشدود في توقيت يمر فيه النظام الدولي بأخطر تحولاته منذ نهاية الحرب الباردة. لكن كيف ذلك؟

 

لو نظرنا إلى التاريخ، كان التموضع السياسي في المنطقة يتسم بالوضوح؛ فإما ارتماء كامل في أحضان المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أو تحالف بنيوي مع المعسكر الشرقي. أما اليوم، تهاوت هذه الثنائية التقليدية أمام صعود مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية؛ إذ أدركت دول المنطقة أن الاعتماد المُطلق على حليف دولي واحد يُمثل مُغامرة غير مأمونة العواقب، خاصة مع تقلبات السياسة الخارجية الأمريكية وإعادة تموضعها في مناطق أخرى من العالم كشرق آسيا، مما دفع العواصم الإقليمية لبناء شبكة أمان ديبلوماسية متعددة الأطراف لضمان مصالحها الحيوية.

 

وتقوم هذه السياسة الجديدة على تقسيم وظيفي دقيق للمصالح والملفات، وهي معادلة تفصل بذكاء بين مُتطلبات الدفاع والتكنولوجيا اللوجستية والاقتصاد. فعندما يتعلق الأمر بالمنظومة الأمنية، والتسليح، والخرائط الاستخباراتية، وحفظ توازنات الردع التقليدية، تظل عقارب الساعة الإقليمية مضبوطة إلى حد كبير على التوقيت الغربي (واشنطن وعواصم حلف الناتو)، حيث تظل الشراكات الدفاعية والقواعد العسكرية الغربية ركيزة أساسية لا يمكن استبدالها على المدى القريب. لكن في المقابل، تحولت بوصلة البنى التحتية، واستثمارات الطاقة، والتكنولوجيا الفائقة نحو الشرق (بكين وروسيا) بخطى مُتسارعة.

 

حيث تأتي بكين شريك تجاري ومستورد رئيسي للمصادر النفط والغاز عبر مشاريع التمدد اللوجستي في مبادرة "الحزام والطريق"، في حين تمثل موسكو الضلع الثابت لضبط استقرار أسواق الطاقة الدولية عبر تنسيق وثيق ومستمر تحت مظلة تحالف "أوبك بلس". هذا الفصل بين "مظلة الأمن" و"شريان الاقتصاد" يمثل جوهر المناورة السياسية التي تتبعها عواصم المنطقة للاستفادة من مزايا المعسكرين دون دفع أثمان التبعية.

 

أما لو نظرنا إلى الواقع، لنظرنا إلى واقع حي يُترجم يوميًا في المنطقة، مثلًا العراق يظهر هذا التوازن في مساعي بغداد لإنشاء طريق التنمية، المشروع الذي يربط بين الفاو وأوروبا، حيث تسعى بغداد إلى التوازن من خلال جذب الاستثمارات والخبرات الفنية من الشركات الغربية، ومن جهة تلبية شروط التمدد التجاري وعقود الطاقة الآسيوية. أما لو نظرنا إلى تركيا، باتت تلعب دور الوسيط المُرجح؛ فهي تحافظ على التزاماتها العسكرية مع الغرب، وتزود جيرانها بأسلحة متطورة، وفي الوقت ذاته تعمق روابطها الاقتصادية والغازية مع روسيا، مما يثبت أن براغماتية المصالح تفوقت بالكامل على أيديولوجيا الأحلاف العسكرية المغلقة.

 

لذلك، فإن هذه اللعبة السياسية لا تخلو من حقول الألغام؛ فالتحالفات المرنة والمشي على حبل مشدود قد يواجهان "لحظة الحقيقة" إذا ما وصلت حدة الصراع بين واشنطن وبكين إلى نقطة الصدام المباشر حول ملفات حساسة مثل تايوان أو تكنولوجيا أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، أو إذا توسعت رقعة المواجهة مع روسيا في شرق أوروبا، فعندها قد تجد دول المنطقة نفسها أمام ضغوط دولية هائلة تُجبرها على اتخاذ خيارات صفرية قاسية وقسرية.

 

باختصار، إن سياسة "مسك العصا من المنتصف" في الشرق الأوسط لم تُعد مُجرد مناورة تكتيكية مؤقتة أو مناورة لامتصاص الأزمات العابرة المؤقتة، بل تحولت إلى رؤية هيكلية ثابتة ترسم ملامح النظام الإقليمي الجديد، فقد انتهى زمن الشيكات السياسية الموقعة على بياض لأي قوة دولية. والنجاح في هذه اللعبة الاستراتيجية الطويلة لن يكون حليفاً إلا للدول التي تمتلك جبهة داخلية متماسكة، وأوراق ضغط اقتصادية صلبة، وموقعاً لوجستياً حيوياً يفرض أهميته على الجميع. وبناءً على المعطيات الراهنة، يبدو أن عواصم المنطقة مستمرة في تنويع سلتها الدولية، مدركةً أن القوة في عالم اليوم لا تكمن في الانحياز، بل في القدرة على جعل الجميع بحاجة إليك.


مشاهدات 78
الكاتب موسى جعفر
أضيف 2026/06/08 - 3:36 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 1:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 146 الشهر 8003 الكلي 15883484
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير