نقد رواية أصوات في شبك لحميد الحريزي
مسعودة القاسمي
تبدو رواية «أصوات في شبك» على الرغم من قصرها، نصاً مكثفاً يحمل بنية فكرية معقدة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية لتلامس أسئلة الفلسفة والمعرفة والتاريخ والسلطة. فهي ليست مجرد قصة عن رجل يحاول اصطياد الأصوات كما يصطاد الطيور، بل هي في جوهرها حكاية رمزية عن صراع الإنسان مع الوهم التاريخي، وعن رغبة العقل في استعادة الحقيقة الأولى التي ضاعت بين طبقات الزمن والتأويلات البشرية.منذ العنوان يضعنا النص أمام استعارة مركزية: الأصوات والشبك. فالشبكة هنا ليست أداة صيد فحسب، بل هي رمز لآليات المعرفة الإنسانية نفسها؛ أي تلك الوسائط التي يحاول الإنسان من خلالها الإمساك بالواقع. أما الأصوات فهي أثر الإنسان الأكثر بقاءً، لأن الكلمة هي الوجود الثاني للإنسان بعد جسده. وهكذا يتشكل العنوان بوصفه مفتاحاً تأويلياً للنص كله: هل يمكن اصطياد الحقيقة من ضجيج التاريخ؟ وهل يمكن القبض على ما يبدو عابراً أو متلاشياً مثل الصوت؟
يقدم الراوي شخصية مسكون منذ البداية بوصفها شخصية غير عادية. فاسمه نفسه يحمل دلالة رمزية، إذ إن الطفل الذي كان اسمه في الأصل سعيد يتحول إلى «مسكون» بسبب فرط حركته وكثرة أسئلته. الاسم هنا لا يشير إلى مسّ شيطاني كما قد يبدو ظاهرياً، بل إلى مسّ معرفي؛ أي ذلك القلق الفكري الذي يجعل الإنسان مسكوناً بالسؤال. ومن خلال هذا التحول الاسمي يضع الكاتب القارئ أمام شخصية قلقة بطبيعتها، شخصية لا تقبل العالم كما هو بل تسعى دائماً إلى خلخلته وإعادة تفسيره.
مسار الرواية
في طفولة مسكون تظهر هواية صيد الطيور. لكن هذه الهواية لا تبقى مجرد نشاط بريء، بل تتحول تدريجياً إلى بنية رمزية عميقة. فالطائر في المخيال الإنساني غالباً ما يرمز إلى الحرية أو الروح أو الفكر. وعندما يتقن مسكون نصب الشباك للطيور فإنه يتعلم عملياً تقنية الإمساك بما هو حرّ وعابر. هذه التقنية تتحول لاحقاً إلى نموذج معرفي: فإذا كان بالإمكان اصطياد الطيور، فلماذا لا يمكن اصطياد الأصوات؟ وهنا يبدأ التحول الجوهري في مسار الرواية، حيث ينتقل الصيد من المجال الطبيعي إلى المجال المعرفي.يُدخل الكاتب بعد ذلك فكرة علمية محورية تتمثل في قانون بقاء المادة والطاقة. هذه الفكرة تشكل الشرارة الفكرية التي تشعل خيال مسكون. فإذا كانت المادة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، وإذا كان الصوت شكلاً من أشكال الطاقة، فإن الأصوات التي نطق بها البشر عبر التاريخ لا يمكن أن تكون قد اختفت تماماً؛ بل لا بد أنها ما زالت، بشكل ما، موجودة في الفضاء الكوني. من هنا تتولد فكرة مسكون الأساسية: إمكانية استعادة أصوات الماضي.
هذه الفكرة، على الرغم من طابعها العلمي الظاهري، تحمل بعداً فلسفياً عميقاً. فاستعادة الصوت ليست مجرد استعادة لذبذبات فيزيائية، بل هي استعادة للحقيقة الأصلية التي ضاعت بين الروايات المتناقضة للتاريخ. ومن هنا يتحول مشروع مسكون إلى محاولة جذرية لتنقية الذاكرة البشرية.
يلعب الراديو في الرواية دوراً رمزياً بالغ الأهمية. فالراديو جهاز يقوم أساساً على التقاط ترددات موجودة في الفضاء وتحويلها إلى صوت مسموع. وهذا ما يجعل مسكون يدرك أن الكون قد يكون ممتلئاً بالأصوات القديمة التي ما زالت تتردد في طبقاته الخفية. الراديو هنا ليس مجرد أداة تقنية، بل هو استعارة للعقل الإنساني نفسه: فالعقل، مثل الراديو، لا يصنع الحقيقة دائماً بل يلتقطها من محيطه.
ومع تطور الفكرة، يبدأ المشروع الحقيقي لمسكون: استعادة أصوات الشخصيات التاريخية الكبرى، من الأنبياء والفلاسفة إلى القادة والزعماء. لكن هذا المشروع، الذي يبدو في البداية فضولاً علمياً، يتحول بسرعة إلى مشروع خطير. فاستعادة الأصوات الأصلية تعني إعادة فتح التاريخ كله على احتمالات جديدة. ماذا لو تبين أن كثيراً من الأقوال المنسوبة إلى شخصيات تاريخية كبرى لم تقال أصلاً؟ ماذا لو ظهر أن كثيراً من النصوص التي قامت عليها مذاهب وأديان وأيديولوجيات ليست سوى إضافات لاحقة صنعها البشر؟
صراعات السلطة
هنا تكمن القوة الفلسفية للنص. فالرواية تلمّح إلى أن التاريخ الذي نعرفه ليس بالضرورة حقيقة خالصة، بل هو بناء معقد تشكل عبر صراعات السلطة والمصالح. ولذلك يصبح مشروع مسكون تهديداً مباشراً لبنية العالم القائمة. فالسلطات السياسية والدينية، التي بنت شرعيتها على نصوص وتأويلات معينة، لا يمكن أن تسمح بانكشاف هشاشة هذه الأسس.
يصل الصراع إلى ذروته عندما تتحرك القوى المختلفة لإسكات مسكون. ويجد نفسه في النهاية داخل مصحّة عقلية محاطة بالأسوار. لكن المفارقة التي يبني عليها الكاتب هذا الجزء من الرواية أن المكان الذي يفترض أن يكون مأوى للمجانين يتحول إلى فضاء للحوار الحر بين أشخاص رفضوا الانصياع للأوهام السائدة. في هذا المكان يكتشف مسكون أن كثيرين غيره يحملون أفكاراً مشابهة، وأن الجنون الذي نُسب إليهم لم يكن سوى نتيجة رفضهم للمنطق السائد.
تبلغ الرواية ذروتها الدرامية في شخصية طوران، الذي يمثل نموذج التعصب الأعمى. الوصف الجسدي لطوران – نصف وجه ملتحٍ ونصف وجه حليق – ليس تفصيلاً عابراً، بل رمز لانقسام الوعي المتطرف بين يقين مطلق وظلام داخلي. وعندما يقتل طوران مسكون باسم الدفاع عن عقيدته، تتجسد المفارقة الكبرى في النص: الحقيقة تُقتل دائماً باسم الحقيقة نفسها.
مع ذلك لا ينتهي النص عند لحظة الموت. فموت مسكون يتحول إلى لحظة تأسيسية لأسطورة جديدة. أفكاره تستمر، وأتباعه يتكاثرون، وقبره يتحول إلى رمز للمعرفة التي لا يمكن دفنها. وهكذا تنقلب الهزيمة الظاهرة إلى انتصار رمزي، لأن الفكرة التي سعى إليها مسكون – توحيد البشر عبر كشف الحقيقة المشتركة بينهم – تصبح أكثر حضوراً بعد موته.
من الناحية السردية يعتمد النص على الراوي العليم الذي يتحرك بحرية بين الشخصيات والأحداث، مقدماً للقارئ تفاصيل داخلية عن أفكار مسكون وهواجسه. هذا الأسلوب يسمح بتكثيف البعد الفلسفي للنص، لأن الراوي لا يكتفي بسرد الوقائع بل يفتح المجال للتأمل والتفسير. كما يستخدم الكاتب تقنية الحوار بوصفها وسيلة لتطوير الفكرة المركزية، إذ تتحول النقاشات بين مسكون وأصدقائه إلى محركات فكرية تدفع السرد إلى الأمام.
ومن التقنيات اللافتة أيضاً التداخل بين الخطاب العلمي والخطاب الرمزي. فالرواية تستخدم مفاهيم فيزيائية مثل الطاقة والترددات، لكنها توظفها داخل بنية مجازية تشير إلى معنى أعمق يتعلق بالحقيقة التاريخية. كذلك يعتمد الكاتب على المفارقة السردية، حيث يتحول المجنون إلى عاقل، ويصبح المكان المخصص للعزل فضاءً للحرية الفكرية.
أما البنية الرمزية العامة للنص فتقوم على ثلاث طبقات متداخلة:
طبقة أولى تمثل البحث العلمي عن طبيعة الصوت والطاقة.
وطبقة ثانية تمثل الخيمياء المعرفية، أي محاولة تحويل التاريخ من معدن زائف إلى ذهب الحقيقة.
وطبقة ثالثة تمثل الصراع الحضاري بين العقل المتحرر والسلطة التي تخشى انكشاف الأسس التي تقوم عليها.
خلاصة القول أن الرواية تقدم تأملاً عميقاً في مصير الحقيقة في عالم تحكمه المصالح والتأويلات المتصارعة. فمسكون ليس مجرد شخصية روائية، بل هو صورة للعقل الإنساني عندما يقرر أن يواجه التاريخ بأسئلته الجذرية. ولذلك فإن موته لا يعني نهاية المشروع، بل يكشف حقيقة أعمق: أن الأفكار التي تولد من شغف المعرفة لا يمكن قتلها بسهولة، لأنها تشبه تلك الأصوات التي كان مسكون يحاول اصطيادها؛ قد تتوارى في الفضاء، لكنها لا تختفي أبداً.
رواية (اصوات في شبك) القصيرة جدا منشورة في العدد 70 لمجلة (مدارات الثقافية) المغربية عدد أذار 2026.