قرابين سبعة أم تمرين لأزلية الفقدان
اسماعيل ابراهيم عبد
للشاعر منذر عبد الحر قدرة فائقة على كتابة المطولات الشعرية؛ فعلى امتداد القصائد آلف الشاعر بين سبع مجاميع شعرية عبر مجلدين ( ج1 ، ج2)؛ أعطاهم شمولية التسمية ؛ المجموعة الكاملة. وأول ما يواجه القارئ هو تلك الغزارة المتكاثرة في تسجيل فحوى الهموم العراقية على امتداد مساحة الشعر للمجموعات السبع ، التي نشرت بمشروع النشر للاتحاد العام للادباء للعام 2022، الذي حمل رمزية الباحث المترجم (فاضل ثامر).
ان من المؤكد وجود خطوط جامعة لهذا النهر المتدفق وجداناً وعاطفة ووجعاً. ومن جملة الحصائل العامة ؛ أجد ان هذه المجاميع ارتبطت مع بعضها بوشاج من ستة وجوه ؛ هي :
أولاً: الأجواء
يمكننا القول ـ ضمن هذا المتجه ـ ما نراه مناسباً عَبْرَ الآتي :
1ـ لقد حتمت موضوعات المجاميع ان تلتف مع بعضها بنسيج الجو العام للبلاد وعلى حد او شفرة او هاوية ؛ أجواء العسكرية واجواء الظلم الاجتماعي المتنوع. لننظر في/
"المخيمات الطارئة
رسمت طرقاً من جمرٍ
للاصدقاء المترفين بالارصفة"
لقد وضع الشاعر ابناء البلاد كلهم في مخيمات وتحتهم طُرُقٍ من جمر ، كأنه يقول :
(هذا كل ما حصلنا عليه من حرائق وحروب ؛ جمر الموت وفجيعة التهجير، وستظل الأرصفة خيبة المظلومين وهم الشعب كله!).
ومن مثل هذا النموذج سنجد ألواناً كثيرة ، وكأن الحيف العراقي ظاهرة كونية او هاوية مفتوحة على الكوارث الانسانية كلها.
2ـ ان الجو العام شمل الناس والتجمعات الثقافية على حد سواء ، فالشهداء أدباء مثلاً والناس شهداء ، المثقفون بلا مستقبل والناس بلا أدنى ضمان ليوم غد. لنتمعن في /
"أيتها الحرب
لم يعد الجدار الزجاجي مرفأ اصغائنا
أنتِ
وراءنا
فينا
أمامنا
فوقنا
تحتنا
أنتِ ... نحنُ
فهل انتحرتِ!"
من بدء العبارات حتى منتهاها يخيم ظرف الحرب على الجميع ولا يُستثني الشاعر أحداً، كون الحرب صارت مثل حياتنا وزمننا وضمائرنا.
3ـ الأصدقاء مشتتون يعانون من تعب السياسة والمعيش والهجرة ، والشاعر يحملهم ضميرا في نفسه ؛ في الصحو والسهو ، في اليقظة والنوم . لنقرأ :
"بقليل من المرايا
قليل من الآس...والأضرحة
قليل من الأكف...والراحلين
أفتح الصرير بالآيات"
يلاحظ ان الشاعر اختزل كل أساه وكل توزع للأصدقاء والراحلين والعاملين، بأن فتح لهم أبواب المقابر والندب بالآيات.
4ـ الخذلان والفقدان موضوعان أثيران للحرمان عند الشاعر لجميع أشعاره حتى الغزلية منها وحتى تلك التي تنعي الطفولة والمكان وتُسرب العمر بلا جدوى تذكر. لنتابع المشد الآتي:
"لم اقطف الزهور
التي مدت اعناقها من سياجك
واكتفيت بالنظر الى لهفتها"
لقد قدم موضوعه عن (الفقدان والخذلان) بأناقة شعرية شعورية مثل جميع الأبطال الذين يكتمون ألامهم ويضحون ببهجتهم حفاظاً على المعنى الاخلاقي والوجودي من تحملهم الحرمان سواء كان من خير الحبيبة او خير الوطن.
5ـ لعل اكثر الاجواء حيرة وقيمة وشغفاً وولعاً هي أجواء (الشك الفلسفي)، الذي طرحه عبرقصائد عديدة من المجاميع السبع . مثال ذلك /
"طوافي لم يكتمل ...
وصوتي يزحف
محاذراً ايقاظ عينيك
وهما تفرشان المسافة التي بيننا
حلماً
أخاف عليه
.... كل...
شيء....
على حاله"
بحسب تتبعي لهذا الجزيئ من هذه القصيدة وجدت صنفها عاطفية ، لكن محتواها يؤكد انها الفكرة الحبيبة أو الحبيبة كفكرة، مهما تزينت لن تغير في الوجود شيئاً. لكن اليقين يوضع تحت يافطة شك كبيرة هي (تغير ظرف القول من الطواف الى زحف الصوت ، ثم يميل نحو الحذر والاستيقاظ، ثم فرش المسافة بالحلم .. لكن الشك غير النمطي المثير للأسئلة الفلسفية يتضمن ؛ الخوف وفراغ النقاط الشبيهة بالارتجاف والتردد ، ثم القرار العجول الذي يسحب المعنى لـ (كل شيء على حاله) ، والسؤال الذي أظنه يلائم هذا التوجس كله هو(أليس هذه النتيجة هي ذات القيمة التي قالها اومبرتو ايكو يوما ما بكتابه "أن نقول الشيء نفسه؟).
6ـ ولعل العمل التقني لجميع القصائد ـ عدا قصائد الهايكو ـ قد تشكلت بتنغيم متعمد مستغلة تشابه القوافي ومجزوءات الأوزان الشعرية، مما جعل الغنائية الرومانسية ـ على الأغلب ـ طاغية على نظم ومنظومات وجدان الشاعر المدون شعراً. وهذه الظاهرة لها من الشيوع ما لا يمكن حصره بعدة نصوص. اي أن كل واحدة من المجاميع السبع فيها عشرات الأمثلة.
ثانياً: منذريات البوستر الشعري
البوستر هو الملصق المطبوع الذي يتم عرضه في الأماكن العامة. وتنقل معظم الملصقات رسالة بسيطة تجمع بين الكلمات والرسوم والصور. وقد تعلن الملصقات عن أحداث معينة من المسرحيات أو الأفلام أو المعارض الفنية ، او تروج لكتاب شعري او فكرة شعرية( ).
وتلجأ الدراسات الحديثة الى استثمار مفاهيم وادوات الحقول المعرفية باستعارة بعضها من بعض، وأرى بأن استعارة آليات البوستر من كونه اعلاناً الى كونه رسماً تشكيلياً ، الى تصييره اعلاناً شعرياً ، فانني بهذا لا أبتعد عن (الشعارية والاشهارية) المؤسسة لمصطلح (البوستر الشعري) الذي يصلح ترويجاً سامياً للكلمة والجملة والشعور بالفعل الانساني والوجداني ؛ ان تقيد بـ /
1ـ يفضل للبوستر الشعري ألّا يتعدى الازاحة الشعرية المبهرة بين صورة الشعر الأدبية وصورة الشعر بأدوات المجسدات الشعبية.
2ـ ان المجسدات في هيكلية القصيدة تقترب من المناظر الطبيعية على ما فيها من جمال وثبوت وواقعية.
3ـ ان يكون التجريد في البوستر الشعري تصويراً لحالة جمالية في تكوينها الفكري والبصري.
4ـ يشترط على البوستر الشعري ان يكون حاملاً للغة لا نشعر برتابتها او تقليديتها ولا تقترب كثيرا من يافطات الساسة.
5ـ أرى من مبررات البوستر الشعري ان يحمل بذار قصة ـ بشكل سري ـ تبطن المتن ، تدون التغير النفسي للشاعر كون نفسيته قصيدة أنثى لا تطالها أصابع اللمس ، تقع جسدانيتها بين مطلق البهاء ، ومطلق الاشتهاء. لنأخذ المشد الآتي ، ونطبق عليه الشروط الخمس للبوستر الشعري ، فهل سيصدق رأينا؟ لنقرأ
"تنطفئ الأبواب تحت ندائهما
وتنهمر الوصايا على رحاهما
..................................
..... كدت اتمم طفولتي فيهما"
أن المدقق بالمشد السابق سيحصل على /
1ـ ان الانطفاء والأبواب والنداء حافظوا على التماهي بين الشغف بالموجودات المعلن عنها واللغة الشفافة والواضحة الترويجية. كما ان السطر الأول منها ـ على الأقل ـ يتوافق مع وظيفة الأبواب المكانية والنفسية بالفهم الشعبي، كونه يحتفي بالوظيفة المادية للموجودات.
2ـ ان الابواب والولع بها والرحى ورحابها تنتمي ـ بقدر توظيفها ـ الى مكونات بيئة لعنصري الطبيعة ـ المكان ـ والانسان (الحجب والامان النفسييان).
3ـ حافظ المشد (بعباراته القليلة) على حالي الابصار المباشر للابواب ، والابصار المدرك لمعنى الحجز او الحجب او المنع. وتلك من وظائف الطبيعة والناس في ثباتهم واستقرار ظرفهم ، مما يوسع النظر بكوننا امام جمال صنع ذاته ولذته معاً مثل أي منظر طبيعي.
4ـ ان الفعل الشعري ببساطته ورشاقته وعمقه لم يحسسنا باننا بإزاء اعلاناً عن شيء نفعي مثلما في البوستر السياسي مثلاً، انما اعطى لنا قيمة مادية شعورية تبعث على البهجة والسرور. 5ـ أن أي مدقق بالقراءة سيدرك ان ثمة قصة تتخفى وراء العبارات الثلاث آنفة التنصيص. بمعنى ان الشاعر اعطانا لمحة من قص يخص هجرته عن البيوت الحميمة ، التي يراها الآن حنيناً وعشقاً ، وعودة الى طفولة دائمة الحيوية والتجدد للفطرة والنشاط الوجداني.
* الآن هل يحق لنا ان ندعي بأن ذهابنا الى شعرية البوستر الشعري قد حققت شروطها كلها بالمشد السابق؟ هل يحق لنا ان نقول (تجربة البوستر الشعري ظاهرة جديرة بالمتابعة والدراسة وتجديد طاقة استثمارها؟ أليست هذه البوسترات منذريات شعرية حفيٌّ بنا ان ننتفع برؤاها؟)
ثالثاً: فصول الأُصول
لست واثقاً من أن أي شاعر عراقي أهتم بالاصول دون ان يعطي لبيئة النشاة مساحة مهمة من اشتغاله وأفكارة. وما انتماء الشاعر سوى انحياز عميق للأصل كونه الفصل الأهم للوجود ، الفصل الذي عنده كتب قصته الوجدانية ، ورعشته الجسدية ودوحة نظرته الأولى على حياة الحب والشعر. تُرى اي فصول من الشعر ستؤلف وجدان الشاعر، وستظل فصله الذي يتذكره حد الغرق فيه ولا يرغب بمنقذ او منتشل له من ذاك الماء الخليط بذلك التاريخ؟
لننظر في الآتي:
"أتذكر....
كل وصايا جدي
حين كسرت الحاجز وحدي
اتذكر او ل خط احمر
تحت حروف الدفتر ...
أتذكر
أول أسئلتي
فوق عروق المرمر"
في المقطوعة الشعرية هذه خمس حصائل ؛ هي/
1ـ النشأة التي صارت بعيدة يستعيدها الشاعر مثل حلم وطفولة ماتزال مركونة بين وصايا الجد واخطاء الطفل.
2ـ أفكار الشاعر بنضجه وعفويته مُدينة لظرفي الافراط في الخطايا والافراط بالمحاذير. 3ـ ترتبط وتختلط رعشة الحب ووله الوجد وشغف المعرفة بأول الأسئلة التي تجلت للشاعر في فطرة مكوثة عند التراث المديني ، وربما هو أرضيات البيوتات البصرية القديمة المفروشة بالمرمر التقليدي.
4ـ التذكر هو مخزون تجميعي من صور ومواقع ومواقف وأمكنة صيّرت فطرة الشاعر وغنائية أصوله ، بحدود وجوده المادي وشعره المعرفي.
5ـ تعدُّ الوصايا ـ فلسفياً ـ أرثاً لأجيال مرًت ، وما ان يستعيدها الشاعر فيستعيد ارث الاجداد ويقوم بنقله للاحفاد ، وبذلك يتحتم على الشاعر ان يزيد على وصايا الاجداد وصيتَهُ هو ؛ لذا قام الشاعر بدور الوسيط (الحيوي الفطري البيئي) الحامي لتراث الاجداد بتأصيل رؤاهم شعراً ضمنه وصاياه على مستويين ؛ (النقل المتصرف به + المضاف من الشاعر المتمرد) على الوصايا ؛ إذ يرى الشاعر ان الأخطاء تمنع الرتابة والتجهيل.
رابعاً: صناعة الأمكنة
الشاعر مهموم جداً ببيئته الأصلية الأصيلة ، لكن ذلك لم يمنعه من صناعة أمكنة اثيرة أخرى ، يصوغها على مزاجة وعلى هيأة أُمنياته ، فالشعراء تضيق عليهم مدنهم وقراهم ، وربما صحاريهم وبلدانهم ، فيغادرونها شبه مطرودين بالقسر او الاقصاء او الحيف النفسي!. وما ان يغادروا ، او يستقروا ببلدان اخرى ، تتكشف لهم وقائع جديدة ، هي أكثر حيفاً ومِنّة من بلادهم . ما ان يحدث ذلك حتى يتحرك الوجدان فيقوم بصناعة أمكنة مزيجة من الحقيقة والخيال ومن الواقعي والوجداني فتصير الأمكنة الشعرية صناعة غير واعية لأُمنيات أضمرها الشاعر في تلافيف ذاكرته وحانَ وقتُ تدفقها. ونعتقد ان أغلب القصائد التي صنعت او صيًرت شعرية الشاعر المكانية لمنذر هي التي إعتنت بالبصرة وليست ببغداد ، بدليل ديوان وقصيدة شط العرب الطويلة، التي خصصت لشط العرب بالبصرة ، عرج عبرها على امكنة وازمنة وبشر من لحاء الانسان البصري ورؤاه ومصاعبه ومهنه وخوفه وغوايات.. لن نوضح شيئاً هنا بقدر ما سنعطي مثالاً مفتوحاً على تأويلات القارئ ونكتفي بها . لنقرأ:
"للشط ...
للفصول المتعاقبة عليه
للذنوب تسفح فيه
وهي ملفوفة بالدمع والآس
والندم..
للحالمين بفتح صواريه
والحالمات..
بسندباد يأتي محملا بالعجائب
والهدايا
والاحلام
للامهات اللائي ينتظرن الغروب
كي تتسلل لابنائهن المفقودين
من رئات الماء
للزبد وهو يحمل رسائل المنسيين
في المراكب المفقودة"
* الملاحظ ان القصيدة تستمر في اتجاهاتها دون ألزام أحد او شيء بوظيفة او طلب ما.. اي ان القارئ سيكمل قول الشاعر على نحو عاطفي قائلاً : أهدي كل الشعر لهؤلاء ، وهنا يصير القارئ محتوى فضلاً عن كونه متلقياً.
خامساً: الشيئية الضوئية
عندما تعشق الروح أشياء من رائحة المكان فالفرد البشري يحاكيها، يُنَطِّقُها ، يستثمر غلوّه في اكسابها روحاً من روحه، بل يضيء بها سكونها وبُكمها المضلل!. أأن منذر عبد الحر ينتمي لهذا الإنسان الذي يضع للأشياء ضوءَ فتشاركه حياته (الصاخبة / الساكنة ، الساكتة / الضاجة؟) ..
لنقرأ شيئاً من قصيدة موسيقى:
"1ـ بينهما عنقودُ عنب
يأخذ حبة
2ـ يدعكها على شفتي حبيبته
ليسكر َ فيهما
البحر ُ ..
3ـ ويصغي مبتسما
4ـ من لهذه الوسيقى
ياقلبي
5ـ من لهذ البوح
على جسد الطبيعة"
لقدوضعتُ الأرقام عمداً بغرض التوضيح.. وبموجب التقسيم المتسلسل أعلاه يمكنني الجزم بـ أن /
ـ القول (1) يستنطق الشيء ليضئه بالجمال المطلق.
ـ القول (2) يستشرف روحية الجمال لمتعة شفاه الحبيبة ، التي يفوضها الشاعر للبحر ، فيجعل النشوة تغطي الكون بالسعة والرقة والارتواء.
ـ القول (3) يضيء السكون والبُكم الجمالي المضلل كونه سيصنع الابتسام ، الذي اشاعه البحر كمتعة مطلقة عندما عزف الوجود موسيقاه بالايقاع الكوني القدري.
ـ في القول (4) عبور من الفرائض الى المدركات الحسية للسمع والوجدان ، يوازيها تساؤل عن لمن ستعزف ومن سيُصغي؟. بمعنى ان يسألها الشاعر عن جدوى ستسرب الجمال الى روحية الموجودات ان لم يكن شغفناً هو ما نريده ونصوغه.
ـ وللقول(5) فضل الجمع بين تلك الأرواح الفائضة من الطبيعة والبشر الى أداتهم (الموسيقا / الموازية / للإيقاع) . بمعنى ان النور والضوء في الروح صيرته الطبيعة جسدا لها ، ينساب عليه وجداننا الخالق للسعادة ان صممناها على وفق رؤى الحس المسؤول ، متبادل النفع ، بين عناصر الوجود ؛ الكون والانسان!.
سادساً: اللااكتفاء النصي
ان عبور الشعر للنصية او التناصية يعني عبورا للأُطر النظرية المتقيدة بظاهرة النص سلفاً. هذا يدعونا للتفكير بالانفتاح النصي، الذي سننفذ منه نحو شعرية اللا كتفاء النصي العابر للنصية. وهنا نؤكد بأن (ريفاتير) يدرس النص من وجهة نظر القراءة ؛ إذ ـ برأيه "يتعاظم دور القارئ ويصبح دوره مركزيًا في اكتشاف المعنى المرتبط بالمتناص أو الافتراض القبلي لنصوص أخرى، ولذلك فإن الظاهرة الأدبية : ليست النص فقط ، ولكن أيضاً قارئه وجميع التفاعلات الممكنة للقارئ مع النص" ..
ان ريفاتير جاء للنص من جهة القارئ كونه أول متأثر بحركة التتبع النقدي، ويعدُّ هذا مرحلة ضمنية للانفتاح النصي.. بينما النص العابر للمنهجية ـ برأي جلال الخياط ـ يستوعب في قراءته عدَداً من المناهج في آن واحد" . يرى الناقد فاضل ثامر "ان جس نبض التشكيل الشعري العابر للنصانية يمثل لغة الشعر في حال تجديد دلالات اللغة المناسبة لخلق جمالية الشعر العابر للمتلقي" .
ان التوجه الجديد الذي يعتمد اللاكتفاء النصي يمثل كفاية معنى وبناء للذة نصية داخل النص.. يمكننا ان نحسم هذا الأمر بالعودة الى القصائد الموجهة للهايكو عند الصفحات 440، 441، 442.من الجزء الثاني للمجموعة الكاملة، فهي جميعاً تتقيد بالآتي:
1ـ مكتوبها الشعري يعدد مستوياته اللغوية والدلالية ، ويستثمر القول لأكثر من حقل معرفي في التدوين.
2ـ جميع المقاطع تجعل الملموس من العناصر قابلاً للتحول الى كائن غير ملموس، وبالعكس.
3ـ تتحمل التعدد الإزاحي، فتصيّر المضمر الدلالي طاقة جمالية نافعة للوعي ومًمَتِّعة للذوق الفني عالي الاتقان ، يلائم التلقي الذكي.
4 ـ القول فيها كله بلا مرجعيات فكرية تؤطره وتوجهه ، لئلا تقتل الشاعرية فيه.
5 ـ يتقبل المكتوب الشعري ان يُحفز الحكمة الفطرية لتحكم على درجة (الشعرية) المنفذة للغويته.
6 ـ من فضائل اللا اكتفاء النصي ان يكوّر الفكرة الوجدانية حول تخيل الوجود كما لو كان الوجود كله. من صنع الشاعر.