الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
طه جزاع يتخيل طفولة القرية .. أنا القمر وملحقاته في زخيخة خلال الحرب

بواسطة azzaman

طه جزاع يتخيل طفولة القرية .. أنا القمر وملحقاته في زخيخة خلال الحرب

أحمد عبد المجيد

 

انهيت قراءة (زخيخة) ثاني أيام العيد ، واعادني مؤلفها الصديق الدكتور طه جزاع الى ازمة رافقتني ابان زيارتي للقرية التي تغفو على مياه أعالي الفرات .

واقنعني المؤلف الذي حاول تطبيق قواعد الناقد الادبي والفيلسوف غاستون باشلار على المكان ، بأن زخيخة ليست موقعاً صغيراً عابراً في خيال طفولته ، بل وايضاً مكاناً يصلح للاستنطاق والاستعادة، كالذكريات الأبدية احياناً .والقرية التي طلب طه جزاع ان تكون لكل واحد منا (زخيخته) ، تشبه مطر شفيف يبلل الماشين الذين كنت واحداً منهم خلال ظرف عصيب ومفصلي في البلاد .

تفاقم الحرب

وبينما كانت بغداد تعيش تحت وابل الصواريخ والحرائق والموت في أوائل نيسان 2003 ، نزحت مع عائلتي الى هيت، لتجنب تفاقم الحرب وانقطاع الامل ، وهناك تعرفت على أولى معالم الجمال التي تجسدت في ما بعد بروح صديقي ،عالماً منفتحاً على الآفاق الرحبة .

امضينا اياماً في هيت التي اكتظت بآلاف البغداديين وغيرهم ، تشبثاً بالحياة وتخلصاً من الدمار وانعدام الأمن، وعاشوا في رحاب المدينة التي كانت تفتقر الى الخدمات البلدية والصحية تقريبا، وتعيش على تقاليد الكرم ومحبة الناس . وفيما كانت اجسادنا تنعم بالامل كانت قلوبنا تقطر دماً وقلقاً ونحن نتابع اخبار بغداد ومدن الجنوب، التي قارعت الغزو الأمريكي، قبل ان تجتاح الجيوش حصون اقدم المدن الحضارية في العصر الإسلامي الذهبي.

ولان صديقي الذي عشنا في كنف عائلة زوجته ام ياسين وشقيقه أبو زياد ، ادرك حالة الإحباط التي تغمرنا نتيجة تداعيات الحصار والحرب ، قبل غزو العراق، اقترح علينا قضاء يوم كامل في زخيخة التي ما كنت قد سمعت عن اسمها من قبل . ورأيت المكان الذي يعد جوهر ما أحاط ذكريات المؤلف في كتابه الجديد ، عبارة عن بستان عامرة باشجار النخيل والرمان والبرتقال  والتفاح والخوخ والتين والتوت وبعض اشجار السدر. وقد تجولنا فيها لامسين الهدوء ومصغين لزقزقة العصافير ونحيب الفخاتي حلول الصباح الباكر  . في وقت كانت الشمس ترسم القرمزية مشهداً نستعيد معه وقائع ما تركناه وراء ظهورنا في منزل العائلة والمحلة واغلب مناطق العاصمة .. خوف وهلع وخشية مما تحصده الحرب من أرواح وتخلفه من آثار الإبادة.

لقد امضينا ليلة نادرة في خضم ليالي القصف الجوي السابقة، التي أعتصرت قلوبنا وغمرها الألم والوجع وعيوننا لم تغمض، بسبب ابنتي التي رزقت بمولودة لم يتجاوز عمرها الشهر،وقد تركناها مرغمين في عهدة زوجها وأهله في منطقة اليرموك .

جلسنا على ضفة الفرات بينما كان قمر زخيخة يلقي اشعته الفضية على صفحة المياه والتي سرعان ما انعكست في نفوسنا لتبعث اطمئناناً طارئاً، لكنه زاخر بجماليات المكان ، الذي لا يعده باشلار امتداداً هندسياً محايداً ولا اطاراً خارجياً تتحرك فيه الذوات ثم تغادر بلا اثر ، جلسنا في المساء انا وطه و وأبن اخيه زياد نتبادل الحوارات عن المستقبل الغامض والمصير المجهول .

وكانت النجوم اللامعة في سماء زخيخة تحكي قصصها التي سطرها كتاب طه جزاع باسهاب

نعم كانت زخيخة مكاناً محايداً على رقعة قلوبنا، لكنها كانت الأكثر انحيازاً في ذاكرة أهلها ومنهم سكان البيت الرابض فوق الهضبة الخضراء التي تحف بنا . وكعادة اهل زخيخة الذين ورثوا كرم الضيافة من القصر – الديوان الذي تمتد بالقرب منه دالية النواعير (الجرية)، وقد وصفها طه جزاع بقلم باذخ في الصفحة 36 وما يليها ، نعمنا بترحاب المضيفين.

 وهذا الديوان الذي جرفته السيول وتكالبت عليه رياح التقادم  ، استنطقت مآثره صورة تذكارية وقعت في يدي المؤلف ، وحملها غلاف الكتاب ، وهو يعود الى مزبان الشوكة المشهود له بالحضور العشائري (ألحق المؤلف وثيقة بريطانية عن الوجهاء المتنفذين في وسط واعالي الفرات) ص84 . وكان بناء طينياً بهيئة مضيف يوحي بانه لم يبن ليرى ، بل  ليأوي . وقد اوانا في ليلة مقمرة ،حيث كانت الطائرات  المعادية تمرق في السماء المفتوحة الكئيبة ، متجهة الى الجنوب ،أو الى بغداد على الاغلب، لتمارس وظيفة أي ذراع غاشمة لمحتل وتمهد الى الزحف الهمجي على السكان المدنيين .

واذا كان طه جزاع قد فلسف المكان بقواعد باشلار، وعد زخيخة باعثاً لخيال كامن فينا، دون ان ننتبه ، فاني أشاكسه برؤية تستعيد الماضي على جناح الاختراع، ففسرت الهندسة المستحيلة للمياه في ضوء ابداع اهل هيت ، بمحاولة حبس الماء الزلال وتقييد حركته المستعجلة عبر نواعير (الجرية) ، التي توحي بتوقيت المصب وموعد الالتقاء مع دجلة نظير الفرات في الخلق والوظيفة ، وبعبارة فان الهيتيين الذين جهدوا انفسهم من اجل هدف نبيل هو السقاية عطلوا لقاء النهرين عبر آليات الري التقليدية المستخدمة يومذاك .

وقبل ان تطل علينا زخيخة التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن هيت واكتشف معادن رجالها ، كنت تعرفت الى الحاج فرحان (شقيق المؤلف) الشخصية القريبة الى القلب والمفعمة بالعفوية واللامبالاة، ومعه امضيت ليلة دامية شهدتها بغداد، عشية  احتلالها ، حيث عانينا الامرين من القصف الصاروخي الذي كان قريباً من فندق صغيركائن بشارع المشجر ، مثلما حرمنا النوم نتيجة هجوم البعوض الذي كان في ضيافة غرف الفندق . وقد احزنني ان طه جزاع سرد حكاية طفولة كاد ان يفقد فيها حياته بالغرق ، تتعلق بالحاج فرحان المنقذ لحياة الصبي شقيقه ، الذي كادت أمواج النهر تبتلعه او تختطفه، مكبدة خسارة لن تعوض إزاء قامة علمية وصحفية مشهودة .

في اليوم التالي قادنا طه جزاع في جولة شملت  محيط القرية – البستان ، وقدم شرحاً عن كل بشر من ارجائها ، فهي بالنسبة له ليست عطر زهور القداح حسب ، بل اسراب من الفراشات تومض اجنحتها في الحدائق بألوان تشبه احلاماً صغيرة اختزنتها ذاكرة ابن زخيخة من الجيل الثالث ، ولم يدر في خلدنا ان صديقنا سيستعيد اجواءها الباهرة في كتاب يصدر بعد نحو 23 عاما من رحلتنا (المائية - القمرية الملونة) التي صادف ان الحرب الجأتنا اليها ، وبذلك فان فضل طه جزاع يبرز في جعل زخيخة ماثلة في الذاكرة لانه كتبها . اما المقاربة بين زخيخته التي نبتت بذورها في طفولته وزخيختنا التي أقتحمت الضمير، فان طه جزاع قيد عفوية جماليات القرية بعنوانات جاستون باشلار ومنهجية زميله الفرنسي ادغار موران الصارمة ، فخسر الانسيابية والالتقاطات الجميلة ووضع العفوية على مقاسات فلسفية مفترضة ، ولذلك فانا نكتب عن المكان الذي رافقنا 24 ساعة ، بواقعية المعلومة المتداولة بين أهالي تلك القرية التي لن ننسى واقعها يومذاك ، حيث نهضت في مخيالنا بينما كانت بغداد وبقية المدن تهوي، تحت زخات الرصاص ورشقات الصواريخ . وفي تلك اللحظات تحدثنا ، انا وطه جزاع، عن الصحافة التي توقعنا اننا سنكون بعيدين عنها او ربما هي ستودعنا الى الابد .

مقبرة القرية

وكتفسير ماضوي لاحد وجوه زيارتنا ، كان طه جزاع حريصاً على اصطحابنا الى مقبرة القرية التي خصها باستطراد تذكاري في كتابه . أتذكر انه قادني للتعرف على أوائل القبور وبينها مرقد العم عبد الغفور مزبان الذي استحصل موافقة الجهات التربوية على افتتاح مدرسة (النظامية) بصف واحد في زخيخة ، وقبر جده الشيخ مزبان ، لكنه لم يتعرف جيداً على المدفونين الاخرين برغم الشواهد الموضوعة على قبورهم . ولعل ما يميز هذه المقبرة المشيدة على مرتفع يسمى البطين، انها محاطة بالاشجار وترتفع على الأرض في رمزية توحي بالهيبة وصعود الأرواح الى السماء .

كانت رحلتنا الى زخيخة شاهد آخر على ان الذكريات الراسخة لا تمحى، برغم وقوعها ضمن ويلات الدهور ، وابرزها ويلات التداعيات الناجمة عن الحروب والأزمات التي يتورط  بها  الانسان سواء كان زعيماً او فرداً مجهولاً، في جحافل  تمشي على الأرض وعيونها تتفحص الفوانيس وتميل الى اطفائها .

 


مشاهدات 66
الكاتب أحمد عبد المجيد
أضيف 2026/06/03 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/06/04 - 2:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 3044 الكلي 15878525
الوقت الآن
الخميس 2026/6/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير