الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
غازي الرسام علامة فارقة في تاريخ الكاريكاتير.. مؤرّخ الوجوه بريشة ساخرة وقلب موجوع

بواسطة azzaman

غازي الرسام علامة فارقة في تاريخ الكاريكاتير.. مؤرّخ الوجوه بريشة ساخرة وقلب موجوع

 

بغداد - علي الدليمي

مرت قبل ايام وتحديدا في 12 شباط الجاري محملةً بعبق بغداد القديمة وسخرية أزقتها التي لا تموت، مستذكرين رحيل القامة الفنية الشامخة، رسام الكاريكاتير والخطاط المبدع «غازي الرسام»، الذي غادرنا في مثل هذا اليوم من عام 1999 تاركاً إرثاً يمتد لآلاف اللوحات التي لا تزال تُشكل مرجعاً بصرياً لتاريخ العراق الاجتماعي في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن «غازي» مجرد فنان يمسك بريشته ليخط ملامح عابرة، بل كان ظاهرةً شعبية استثنائية نجحت في تطويع الخط واللون لخدمة قضايا الناس وهمومهم اليومية. بأسلوبه الساخر والفريد، استطاع أن يؤسس «مدرسة فنية مستقلة» بذاتها، متجاوزاً الأطر التقليدية والاتجاهات العالمية، ليصيغ هوية بصرية عراقية خالصة ما زالت تنبض بالحياة في ذاكرة الأجيال. لم يستلهم غازي الرسام فنه من الأكاديميات الغربية، بل من المقاهي البغدادية ووجوه الكسبة والمتعبين. تميزت أعماله بالجمع الفريد بين «الكتابة الساخرة» و»الرسم الكاريكاتيري المتفرد»، حيث كانت الكلمات جزءاً لا يتجزأ من التكوين الفني. وفي الوقت الذي اتجه فيه العالم نحو الكاريكاتير الصامت، ظل غازي متمسكاً بالتفاصيل الدقيقة للبيئة العراقية (العباءة، السدارة البغدادية، والشناشيل)، مما جعل لوحاته وثيقة أنثروبولوجية للحياة في العراق.

ظواهر سلبية

كان غازي بمثابة «راداراً» اجتماعياً يلتقط التناقضات؛ فوجه ريشته نحو البيروقراطية، الغلاء، والظواهر السلبية. لقد نجح في تحويل الشخصيات البغدادية النمطية إلى أبطال يقارعون بؤس الواقع بالابتسامة المريرة، وهو ما جعل الصحف التي عمل بها، ولاسيما صحيفة (المتفرج)، تحقق انتشاراً منقطع النظير بفضل رسوماته التي كانت «مانشيت» الشارع اليومي. ورغم مرور اكثر من عقدين على رحيله، لا تزال رسوماته تُتداول في منصات التواصل الاجتماعي وكأنها رُسمت اليوم، مما يثبت أن «عالمية المحلية» هي السر في خلود فنه. لقد أثبت غازي أن الفن الصادق هو الذي يولد من قلب الشارع ويظل وفياً له، ملهماً أجيالاً من الرسامين الذين وجدوا في مزيجه الفني مخرجاً نحو رحابة التعبير الشعبي. كان الركن الأساس في صحيفة «المتفرج» ومجلة «الفكاهة»، ومثّلت أعماله القوة الضاربة للصحافة الساخرة في العراق.فقد تميز أسلوبه بالدقة المفرطة في التفاصيل البغدادية، واستخدام الخط اليدوي كعنصر درامي داخل اللوحة. ولد غازي الرسام في بغداد عام 1925. بدأ تعليمه في المرحلة الإعدادية صباحا، بينما كان يدرس فنون الرسم في معهد الفنون الجميلة مساءً، وأقام عدة معارض فنية خلال فترة دراسته في المعهد. في السنة الثانية، قرر ترك الدراسة في المعهد ليتفرغ لإكمال دراسته الإعدادية. بعد تخرجه، انطلق في مسيرته المهنية بالعمل في الصحافة العراقية، وظهرت رسوماته لأول مرة عام 1947 في مجلة «قرندل» الاسبوعية، التي كان يديرها الصحفي الفكاهي صادق الأزدي. استمر في النشر فيها حتى صدور العدد الأخير منها، بعد شهرين من ثورة 14 تموز 1958. لاحقا، عُيّن رساما هندسيا في وزارة الدفاع، وهناك التقى بالخطاط صبري الهلالي الذي تعلم على يده فن الخط العربي ورسم خرائط المباني والطرق. أسس بعد ذلك مكتبا للدعاية والإعلان بالاشتراك مع الفنان خليل العزاوي. كما سافر إلى مصر، حيث عمل في مجلة «العراق الحديث» التي كانت تُصدر هناك. أستلهم أفكاره من الأمثال الشعبية، وهو ما دفعه لإصدار مجموعة كاريكاتورية بعنوان «الأغاني والأمثال الشعبية» عام 1957. كما أصدر كراسا خاصا عن ثورة 14 تموز، ثم الجزء الثاني من مجموعته الكاريكاتيرية عام 1960. نشر الفنان العديد من رسوماته في صحف ومجلات أسبوعية أخرى مثل «ابن البلد»، «جفجير البلد»، «المصور»، «قزموز»، و»البلاد». يُذكر أن الرسام قام برسم الملصق الدعائي (البوستر) لأحد أشهر الأفلام العراقية، وهو فيلم «سعيد أفندي».كان قريبًا من هموم الشعب وتطلعاته، فعبّر عنها في رسوماته التي جسّدت «ابن البلد»، وظلّ على هذا النهج خلال العهد الملكي وأيام ثورة 14 تموز. إلا أنه اختفى عن الأضواء في منتصف الستينيات.  بعد انقلاب 8 شباط 1963، تعرّض غازي للاضطهاد والسجن والتعذيب، ثم التهميش المتعمد، شأنه شأن أي وطني تقدمي جعله يضطر إلى ترك فن الكاريكاتير، ليعمل في مجال التصاميم التجارية والخط العربي من أجل لقمة العيش.  ومع بدايات العقد الثمانيني عاد يرسم للصحافة وهو يتناول موضوعاته من الحرب العراقية الإيرانية، وقد صدرت له مجموعة واحدة تضم بعض من هذه الرسومات فضلاً عن رسوماته في مجلات عربية خارج العراق، حتى وافته المنية وهو في حالة فقر. سيظل غازي الرسام ذلك «الخطاط الذي رسم والرسام الذي كتب»، تاركاً خلفه ثروة بصرية لا تشيخ، تلخص وجع شعبٍ بأكمله بضحكةٍ واحدة لا تموت.

 

 


مشاهدات 53
أضيف 2026/02/23 - 4:42 PM
آخر تحديث 2026/02/24 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 18586 الكلي 14950229
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير