الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العلاقة بين الميتافيزيقي والإنساني في القصيدة العمودية المعاصرة


العلاقة بين الميتافيزيقي والإنساني في القصيدة العمودية المعاصرة

 عبدالكريم الحلو 

 

القصيدة :

لام هاء

في ليلتي الساكتة ..!

الاديب ابو محمد الصفار

----------------------

( ١ ) ..

لعلَّ قتيلاً

لمْ يُجاهرْ بقتلِهِ

تعلَّقَ حيَّاً

بالرَّدىٰ المُتَوَلِّهِ

وعلَّ إذا صَلَّىٰ

وأمعنَ في الهوىٰ

يكونُ الهوىٰ

في دِيْنِهِ منْ أحَلِّهِ

وما الحبُّ

إلَّا مرهَفُ الحدِّ قاطعٌ

سرائرُنا ليلٌ

وبرقٌ بنَصْلِهِ

عَبَدْنا ظلاميِّينَ

فاستنفرَ الهوىٰ مصابيحَهُ

رغمَ الدُّجىٰ المُتَأَلِّهِ

كأنَّ السماءَ استشرَقَتْ

ذاتَ ليلةٍ سَكُوتٍ

بنورٍ

في العُلا

منْ أجَلِّهِ .. !!

( ٢ ) ..

فَيا قائماً في ليلتي

دونَ بعضِهِ

مقامي

وكلِّي

لمْ يزدْ عنْ أقلِّهِ

أما آنَ أنْ أحظىٰ

بنظرةِ مُشرقٍ

بديعٍ

تغيثُ الروحَ منْ جورِ ليلِهِ

أمِ انِّيَ محكومٌ

بعقلي

ومهجتي

إلىٰ فاتنٍ في ظلْمِهِ

سرُّ عدْلِهِ ..

نَبا

عاقداً نفسي إليهِ

مفارقاً

ويزعمُ أني مستبدٌّ بوصلِهِ

ويؤثرُني

معنىٰ الجمالِ مقالةً

ويمنعُني

وِردَ الجمالِ بفعْلِهِ

وأوَّلَني

أنِّي خُلِقْتْ بحسنِهِ

ظليلاً

ومأثورَ الفناءِ لأجْلِهِ

وعلًّلَني

أني إذا شاعتِ المنىٰ

بكنهي

فإني بعضُهُ قيدَ كلِّهٍ

ومازلتُ لا أدري

أكنتُ أنا الذي يؤولُهُ

أم شاء غيري

بقولِهِ

ام انَّا

حلَلْنا في هواهُ

تحرُّقاً

سكارىٰ بفتَّانٍ

منيعٍ بِحِلِّهِ

فلانحنُ

أدركنا من الحُسنِ خطْرَةً

ولاطالتِ الأبصارُ

لمحةَ ظلِّهِ ..!!

( ٣ ) ..

ولمَّا حنا

أرخىٰ مهولٌ مجنَّحٌ

ولم نكُ إلَّا

جانِحَيْنِ بهَوْلِهِ

أنا وصوابي

والحقيقةُ أ ننا سلَكْنا

ولمْ نبرَحْ

مجاهيلَ سُبْلِهِ

فهلْ لصوابِ القلبِ

غيرُ سؤالِهِ

وهلْ للجمالِ الطلقِ

غيرُ أسَلِّهِ

فلاتحسبَنْ ياقلبُ

أنَّا سنستقي بغير الردىٰ

في شُحِّهِ

أو ببذلِهِ

ولا تبتئسْ للسيفِ

مهما توسَّلتْ مطاعنُهُ

فالسيفُ حُرٌّ

بسُؤْلِهِ

وما الدمُ

إلاّ غرَّةُ السيفِ

أشرقتْ

علىٰ النصلِ جوداً

فاستهانَ ببخلِهِ

وصار ألوفاً بالدِّماءِ

فشمَّها

فرقَّتْ علىٰ آثامِهِ

دونَ عذلِهِ ..!!

""""""""""""""""""""""""""

مقدّمة:

تُعدّ الميتافيزيقا في الشعر أحد أكثر المسارات تعقيدًا وإثارةً للأسئلة، لأنها تضع الإنسان في مواجهة ما يتجاوز الحسّ، دون أن تنفصل عنه.

وفي الشعر العربي الحديث والمعاصر، برز عدد من الشعراء الذين جعلوا من القصيدة فضاءً للتفكير الوجودي، ومختبرًا للعلاقة بين المطلق والهشّ، بين الإنسان ومصيره.

في هذا السياق، يقدّم الشاعر أبي محمد الصفّار تجربة متميّزة، لا بوصفه شاعرًا صوفيًّا تقليديًا، ولا شاعر تأمّلٍ فلسفي خالص،

بل بوصفه صوتًا شعريًا يشتغل على الجرح الوجودي، حيث تتداخل الميتافيزيقا مع الإنساني تداخلاً عضويًا لا انفصام فيه.

يمثل النص الشعري موضوع هذه الدراسة مساحة غنية لتأمل العلاقة بين الإنسان وميتافيزيقا العاطفة، حيث يتحوّل الليل إلى فضاء وجودي تتنفس فيه الذات، ويصبح الحقل الشعوري للمحبّين مسرحًا لتجربة وجدانية مكثفة.

فالليل في النص ليس مجرد زمن أو مكان، بل حضن يتيح للهوى أن يتجلّى بوصفه صلاة روحية، حيث يصبح الحبّ قانونًا للحياة، وعبادةً تمسّ جوهر الإنسان ذاته، فتتحوّل العاطفة إلى نظام قيم داخلي يفرض على الذات الخضوع لطهارة المشاعر واستسلامها لجاذبية الآخر.

في الوقت نفسه، يظهر المعشوق ككائن من نور، يُرى ويغري ويمنع، حاضراً بالقوة والغياب معًا، فتتولد حالة من الشوق الذي يكتفي بالوجود دون امتلاك، وحبٌّ خجولٌ لا يكتمل لكنه أعذب من الاكتمال، يحرق الروح ويحفزها على صيرورة مستمرة من الوعي الوجداني.

كما تتشابك الصور الرمزية للسيف والدم، التي تعكس قوة المشاعر، وغضب الغيرة، واستعداد القلب للتضحية، فيصبح الحب تجربة وجدانية متكاملة تجمع بين الألم والبهجة، بين الحضور والغياب، بين الرغبة والامتناع.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة النص بوصفه جسرًا بين البعد الإنساني والميتافيزيقي،

حيث تتفاعل الروح البشرية مع مساحات تتجاوز الحسّ المباشر، ويصبح الشعر وسيلة للتأمل في طبيعة العاطفة، والقدرة على الاستمرار في التساؤل عن الذات، والجمال، والحب كقوة محركة للحياة والوعي.

هذه القراءة تمهد لمقاربة نقدية أعمق، تهدف إلى تحليل التوتر بين الحدسي والمفكر، بين القلب والعقل، وبين الرغبة والقدر في تجربة شعرية متميزة مثل تجربة الأديب أبي محمد الصفّار في إسلوبية القصيدة العمودية المعاصرة .

أولاً:

الميتافيزيقا بوصفها تجربة لا مذهبًا

--------------------------------

1. الصفّار والميتافيزيقا التجريبية :

لا ينطلق الصفّار من منظومة صوفية مغلقة، كما عند ابن عربي أو الحلاج،

بل من تجربة ذاتية قلقة ( إسلوبية القصيدة  المعاصرة )، تشبه في جوهرها ما عبّر عنه بدر شاكر السيّاب في لحظاته الوجودية الأخيرة، حين تحوّل المرض والموت إلى أسئلة كونية.

«سرائرُنا ليلٌ

وبرقٌ بنصلِهِ»

البرق هنا ليس كشفًا صوفيًا نهائيًا، بل ومضة معرفة خاطفة،

وهو ما يقارب رؤية أدونيس للمعرفة بوصفها لحظة تفجير لا استقرار.

عند أدونيس : الميتافيزيقا ثورة على الثابت.

عند الصفّار : الميتافيزيقا قلق داخلي،  لا يطيح بالثابت بقدر ما يكشف هشاشته.

ثانيًا:

الإنسان بوصفه مركز الميتافيزيقا

------------------------------

1. الجسد، الدم، السيف :

ميتافيزيقا  متجسّدة

الميتافيزيقا عند الصفّار :  لا تنفصل عن الجسد، وهو ما يضعه في تقاطع مع تجربة عبد الوهاب البياتي، الذي جعل من الأسطورة أداة لفهم العذاب الإنساني.

« وما الدمُ إلا غُرّةُ السيفِ أشرقتْ»

الدم هنا ليس رمزًا فدائيًا فقط، بل علامة وعي، شبيهة بما نجده عند محمود درويش في تحويل الجرح الوطني إلى سؤال كوني.

البياتي: الدم : خلاص تاريخي-أسطوري.

بينما يرى درويش: الدم : ذاكرة وهوية.

الصفّار: الدم : معرفة مؤلمة، ثمن الرؤية.

ثالثًا :

ثنائية العقل والمهجة

الإنسان الممزّق

في قوله :

«إني محكومٌ بعقلي ومهجتي»

يتجلّى الصراع بين العقل والوجدان، وهو صراع مركزي في الشعر الميتافيزيقي العربي.

يرى أبي العلاء المعرّي : العقل أداة شكّ وتشاؤم.

بينما يراها صلاح عبد الصبور: العقل مأساة الوعي.

الصفّار: العقل والمهجة معًا مأزق، لا خلاص لأحدهما دون الآخر.

هنا يقترب الصفّار من الرؤية الوجودية الحديثة، حيث الإنسان محكوم بالتناقض، لا بالانسجام.

رابعًا :

الجمال بوصفه قوة قاهرة

---------------------------

الجمال في شعر الصفّار ليس مطمئنًا، بل سلطة:

«ويؤثرني معنى الجمال مقالةً

ويمنعني وردَ الجمال بفعلِهِ»

هذا التصوّر يتقاطع مع:

نزار قباني (في مرحلته المتأخرة): الجمال كخذلان.

أنسي الحاج: الجمال كجرح مفتوح

الصفّار: الجمال كقدر ميتافيزيقي، يُرى ولا يُنال.

الجمال هنا ليس موضوع رغبة، بل بنية امتحان وجودي.

خامسًا:

الصفّار والميتافيزيقا الصوفية

تقاطع لا تطابق

---------------------------

رغم حضور مفردات مثل: الهوى، الدين، الصلاة، إلا أن الصفّار لا يسعى إلى الفناء الصوفي الكامل.

كما  ابن الفارض: الفناء خلاص.

أو  الحلاج: الفناء شهادة.

الصفّار: لا فناء، بل بقاء في الجرح.

إنه أقرب إلى ما يمكن تسميته ميتافيزيقا إنسانية جريحة، لا خلاص فيها، بل وعي دائم بالانكسار.

سادسًا  :

اللغة بوصفها حقلًا ميتافيزيقيًا

----------------------------

لغة الصفّار كثيفة، جزلية، مشحونة بالفعل والحدّ (سيف، دم، نصل)، ما يقرّبه من:

عبد الرزاق عبد الواحد في فخامته اللغوية.

محمد بنيس في توتّر الدلالة. غير أن الصفّار لا يستخدم اللغة للتزيين، بل لتحمّل العبء الوجودي للفكرة.

قدرة القصيدة العمودية المعاصرة :

---------------------------------

بهذا المعنى، تصبح قصيدة الصفار مثالاً حياً على قدرة القصيدة العمودية المعاصرة على احتواء الحداثة والابتداع، ليس كمجرد امتداد شكلي أو أسلوبي، بل كفضاء ديناميكي قادر على استيعاب رؤى متجددة وصياغة معانٍ جديدة تتناغم مع التحولات الفكرية والاجتماعية لعصره.

فالشاعر هنا لا يكتفي بإعادة إنتاج التراث أو الانغماس في المألوف، بل يستخدم العمود الشعري كمنصة تتحرك بها اللغة بين التقاليد والابتكار، بين الوزن والقافية، بين الثابت والمتغير، لتولد من هذا التلاقي صيغاً شعرية حية تنبض بالمعنى والوجدانية.

وبقدر ما تحافظ هذه القصيدة على صلتها بالتراث، فإنها تتخطى الخطية الزمنية، فتجعل من كل لحظة شعرية نقطة اتصال بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وبذلك، يتحقق في شعر الصفار نموذجٌ يثبت أن القصيدة العمودية المعاصرة ليست مجرد صرح من الماضي، بل حقل خصب للتجديد والابتداع، قادر على استدامة الحداثة داخله، وتفعيل الحوار بين الزمن الشعري وتجارب الإنسان المعاصرة، بما يضمن استمرارها كتراث حي وفاعل، لا كبنية جامدة من الماضي.

هذا يضع القصيدة العمودية في موقع الوعي الشامل والرحابة الفنية، حيث يمتزج الواقع بالمثال والزمان بالمكان، وتصبح الحياة والموت معًا سيمفونية متحركة للمحبة، التي تتحرك بدورها لتشكل مصير كل وجود.

باختصار، ما أبدعتم في وصفه ايها الشاعر هو  القصيدة اسلوبية القصيدة العمودية المعاصرة في أرفع صورها: رؤية متحركة، وجدلية، حية، قادرة على توسيع أفق المعنى الإنساني والفني في آن واحد، وهو ما يجعل الشعر العربي العمودي اليوم أكثر من مجرد شكل، بل فضاء وجودي متجدد لا ينضب.

لقد وضحت بإيجاز ودقة بحر الطويل وجوهر زحافاته منذ المعلقات، وهذا بالفعل جوهر العمق العروضي في الشعر العربي الكلاسيكي ، بحر النص العروضي هو الطويل، بصدره وعجزه :

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن، كما عرف منذ المعلقات، وهو يتميز بزحافاته المتعددة التي تمنحه المرونة الموسيقية والفنية ، هذه المرونة في الزحاف والقبض تجعل من الطويل بحرًا حيويًا قادرًا على احتواء تنويعات فنية متعددة، وهو ما يفسر استمراره كإطار شعري صلب لكنه متجدد عبر العصور .

خلاصة نقدية :

-------------

يمكن القول إن الصفّار يقيم في منطقة وسطى نادرة هي اسلوبية القصيدة العمودية المعاصرة :

* ليس صوفيًا خالصًا.

* ولا فلسفيًا تجريديًا.

* ولا وجدانيًا محضًا.

* إنه شعر الميتافيزيقا المتجسّدة، حيث:

* الإنسان مركز السؤال.

* الجمال امتحان.

* الحبّ دين قلق.

* والمعرفة جرح لا يُشفى.

* وبهذا، يندرج الصفّار ضمن سلسلة شعراء عرب جعلوا من القصيدة فضاءً للتفكير الوجودي، لكنه يحتفظ بفرادته عبر تحويل الميتافيزيقا من خلاصٍ إلى معاناة واعية، ومن أفق سماوي إلى تجربة إنسانية ثقيلة، لا تطلب النجاة، بل الفهم.

* هنا، في هذا العالم الميتافيزيقي الذي لا يُقاس، حيث الحب صلاة والحنين عبادة، والليل مسرح للموت والحياة معًا،

* أشعر أنني أودّع شيئًا أكبر من مجرد نص، أودّع فضاءً ميتافيزيقيًا، حضنًا شعريًا يتخطى الزمان والمكان، ويغرس في القلب أسئلة لا تنتهي عن الذات والوجود.

* أترك هذا العالم خلفي، ممتلئًا بنبض السيف والدم، بوهج المعشوق الذي يُرى ولا يُنال، بألم العشق الذي يعلّمنا الصبر على الغياب، والوفاء للألم الذي نحمله في صمتنا.

* أودّعه كما يودّع العاشق طيفًا يعرف أنه لن يلمسه، لكنه سيظل حاضرًا في روحه إلى الأبد.

* وهكذا أغادر هذا النص لكن ليس بلا أثر، بل مع كل فكرة وقلب ورعشة اكتسبتها من حضوره.

* أغادر وأنا ممتن لليل الذي علّمني صمت الهوى، وللهواء الذي علّمني أن الحب ليس امتلاكًا، بل رحلة روح في مواجهة قدرها الشعوري.

* سأحتفظ به كظلّ خافت على نافذتي، كهمسة لا تموت، وكقصيدة تتسلّل في عروقي، لأن هذا العالم الميتافيزيقي الجميل، كما كتبه الصفّار، سيبقى معي، حتى آخر نظرة، وآخر نفس.

د. عبد الكريم الحلو

كاتب وناقد أدبي عراقي

#اشارة

#دراسة_نقدية

ابو محمد الصفار

#مثقفون

#شعراء

#ادباء

#رؤيتي_النقدية

#محبتي_للجميع

#سنة_سعيدة_يارب


مشاهدات 62
الكاتب  عبدالكريم الحلو 
أضيف 2026/01/04 - 3:55 PM
آخر تحديث 2026/01/05 - 5:23 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 579 الشهر 3259 الكلي 13110682
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير