الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجامعات الأهلية.. بين فخ الإستعراض وضرورة الإصلاح الجذري

بواسطة azzaman

الجامعات الأهلية.. بين فخ الإستعراض وضرورة الإصلاح الجذري

محمد الربيعي

 

لا يمكن قراءة البيان الاخير الصادر عن المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء بشأن اجتماع «متابعة الجامعات الاهلية» الا بوصفه تمرينا في البلاغة الانشائية التي تحاول حجب الواقع بغربال من الكلمات الرنانة. فعلى الرغم من «هيبة» المشهد الذي حشد المستشارين والمديرين العامين، الا ان مخرجات الاجتماع جاءت خالية من اي «مونة» سياساتية، فبدلا من اعلان حالة طوارئ تعليمية لمواجهة انحدار الجودة، غرق المجتمعون في صياغة توجيهات عامة حول «اتساق القانون» و»استيفاء الشروط»، وهي بديهيات ادارية لا تستوجب اجتماعا بهذا المستوى. ان هذا «الاستعراض السطحي» لا يحل ازمة، بل يرحلها خلف «مهلة العشرة ايام» الشهيرة، متجاهلا ان العلة تكمن في جوهر الفلسفة التعليمية الحالية التي حوّلت الجامعات الى «ماكينات ربح» بلا كوابح.

حين نقرأ في الخبر عن 'استعراض منظومة العمل' و'استيفاء شروط الرصانة'، نكتشف فخاً لغوياً؛ فالرصانة في الأعراف الأكاديمية ليست مجرد 'حالة' تُعلن في اجتماع، بل هي نتاج نظام اعتماد صارم. ومع ذلك، يُحسب للاجتماع التفاتته الجادة والمحقة للجانب التنظيمي، من خلال حضور الجهات الإدارية والمالية، والتشديد الصارم على ضرورة تسوية القيود الضريبية والحقوق الضمانية للتدريسيين؛ فهذه ليست مجرد إجراءات ورقية، بل هي صمام أمان لحفظ كرامة الكوادر التعليمية وحماية المال العام من الهدر. لكن الإشكالية تبقى في الاكتفاء بهذا الجانب؛ حيث غابت 'لغة الأرقام' و'معايير الجودة النوعية' التي تفرق بين المؤسسة التعليمية الرصينة الملتزمة بواجباتها القانونية، وبين 'دكاكين الشهادات' التي استباحت المعايير العلمية من أجل تعظيم الأرباح.

الجودة الضائعة

الاعتماد الاكاديمي لا يتحقق بـ «ايعاز» او بـ «مقترحات تُقدم خلال عشرة ايام». هذا التوقيت الزمني الضيق يعكس استخفافا بملف معقد، فالاعتماد يحتاج لبناء نظم تقييم، وتدريب كوادر، ورقابة ميدانية مستقلة، لا لـ «ترقيعات ادارية» سريعة تُرفع للمسؤول لغرض الاستهلاك الاعلامي وتغطية الفشل في مواجهة جشع المستثمرين.

البديل الاصلاحي الحقيقي

بدلا من هذا الاستعراض السطحي، نضع امام صناع القرار «خارطة انقاذ» ترتكز على الجودة والاعتماد، بعيدا عن منطق الربح والجباية:

1. كبح «جماح القبول» وربطه بسوق العمل

يجب التوقف فورا عن سياسة «الابواب المفتوحة» التي تنتهجها الجامعات الاهلية لاشباع نهمها المالي. المقترح هو تحديد سقف المقبولين في كل برنامج تعليمي بناءً على «دراسة احتياج حقيقية» لسوق العمل، وليس بناءً على قدرة الجامعة على حشر الطلاب في القاعات. لا يمكن السماح بتحويل الشباب الى «جيوش عاطلين» لمجرد سد «اشلاء جوع» المستثمرين الذين يتاجرون بمستقبل الاجيال.

2. التحول الالزامي الى «مؤسسات غير ربحية»

ان الاوان لنقل الجامعات الاهلية من نموذج «الشركات التجارية» الى نموذج «المؤسسات غير ربحية»، كما هو الحال في ارصن جامعات العالم. هذا التحول يعني ايقاف استنزاف جيوب العوائل لصالح حسابات المستثمرين، واعادة توجيه كافة الارباح والفائض المالي لتطوير البحث العلمي، وتحديث المختبرات، ودعم الابتكار، بدلا من توزيعها كأرباح على «شركاء» لا علاقة لهم بالعلم من قريب او بعيد.

3. مأسسة الجودة ونظام «الانياب» القانونية

يجب الزام كل كلية بالحصول على اعتماد برامجي عالمي مستقل كشرط لبقائها، مع تفعيل نظام عقوبات تصاعدي يبدا بـ تعليق القبول في الاقسام المترهلة، ويصل الى سحب اجازة التأسيس للجامعات التي تصر على تغليب الربح المالي على المعيار العلمي.

4. حوكمة الجامعات ومأسسة مجالس الأمناء

يتعزز الهيكل التنظيمي لهذا الإصلاح عبر تشكيل مجالس الأمناء، بحيث يكون لكل جامعة أهلية مجلس يُختار أعضاؤه من كبار العلماء والأساتذة المتخصصين والخبراء والشخصيات العامة، على أن يضم المجلس في عضويته رئيس الجامعة وممثلاً عن الحكومة يختاره وزير التعليم العالي لضمان الرقابة الرسمية. ويتولى هذا المجلس، بشراكة تشاورية مع مجلس الجامعة، صياغة اللوائح الداخلية لإدارة شؤون الجامعة وتسيير أعمالها، بما يضمن وضع قواعد صارمة لاستخدام صافي الناتج عن نشاط الجامعة وتوجيهه نحو التطوير الأكاديمي والبحثي وفق ميزانيتها السنوية المصادق عليها.

5. الدمج الاكاديمي

تكتمل خارطة الإنقاذ بتبني «الدمج الأكاديمي» للكليات المتشابهة لتحويلها إلى جامعات كبرى رصينة، أسوةً بالتجارب الناجحة في فرنسا وألمانيا. يهدف هذا التوجه إلى رفع الجودة وتوحيد المعايير، مع تقليل التكاليف التشغيلية لخفض الأجور الدراسية، فضلاً عن مكافحة الفساد عبر تبسيط الرقابة وخلق بيئة بحثية متكاملة. وبذلك، يتجسد الإصلاح الجذري في أربعة أعمدة: ضبط القبول وفق سوق العمل.

 التحول للمؤسسات غير الربحية، فرض الاعتماد الدولي الصارم، والهيكلة بالدمج لصناعة كيانات جامعية تليق بالعراق.

 

اخيرا «التعليم امانة وليس بضاعة»

ان اصلاح التعليم الاهلي في العراق لا يمر عبر اجتماعات «الصور التذكارية» والبيانات التي «لا تسمن ولا تغني من جوع». اننا بحاجة الى ثورة في الفلسفة التعليمية، تبدا بتحويل الجامعات الاهلية الى مؤسسات علمية غير ربحية، وتنتهي بفرض معايير جودة لا تجامل احدا.

السؤال الموجه لصناع القرار: هل لديكم الجراة لتحويل هذه «الاستثمارات» الى «مؤسسات علمية حقيقية» تخضع لسوق العمل، ام سنستمر في مشاهدة ضياع التعليم في دهاليز الارباح والكلمات الرنانة؟

 

* بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

 


مشاهدات 53
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/02/28 - 11:23 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 138 الشهر 138 الكلي 14954207
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير