الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تتحول السلطة التقديرية إلى تعسف: من يحمي المواطن من القرار الإداري الخاطئ؟

← بواسطة azzaman

حين تتحول السلطة التقديرية إلى تعسف: من يحمي المواطن من القرار الإداري الخاطئ؟

صفد نوري أحمد الملحاني

 

مقدمة

لا تُقاس قوة الدولة بمدى اتساع سلطاتها، وإنما بمدى خضوع هذه السلطات للقانون، ولا تتحقق هيبة الإدارة العامة بمجرد قدرتها على إصدار القرارات وتنفيذها، بل بقدرتها على ممارسة اختصاصاتها في إطار المشروعية، وبما يحقق التوازن بين مقتضيات المصلحة العامة وضمانات الحقوق والحريات الفردية.

 

وفي هذا السياق، تبرز السلطة التقديرية للإدارة بوصفها إحدى الأدوات الضرورية لتمكين المرافق العامة من أداء وظائفها ومواجهة الظروف المتغيرة التي قد لا تستوعبها القواعد القانونية بصورة تفصيلية. غير أن هذه السلطة، على الرغم من ضرورتها، تثير إشكالية قانونية دقيقة عندما تنحرف الإدارة عن الغاية التي مُنحت من أجلها، أو تتخذ من سلطتها وسيلة للإضرار بالأفراد أو الانتقاص من حقوقهم دون مسوغ مشروع.

 

ومن هنا يثور التساؤل الجوهري: أين تنتهي السلطة التقديرية المشروعة، وأين يبدأ التعسف في استعمال السلطة؟ وما الضمانات القانونية التي تحول دون تحول القرار الإداري من أداة لتحقيق المصلحة العامة إلى مصدر للمساس بالحقوق والمراكز القانونية للأفراد؟

 

أولاً: السلطة التقديرية للإدارة بين مقتضيات الفاعلية وحدود المشروعية

 

تقتضي طبيعة العمل الإداري، في كثير من الأحيان، منح الإدارة قدراً من الحرية في تقدير الوقائع واختيار الوسائل الملائمة لمواجهة الاحتياجات العامة. فالمشرّع لا يستطيع أن يتنبأ بجميع الظروف التي قد تواجه الإدارة، ولا أن يحدد مسبقاً، في كل حالة، الإجراء الأكثر ملاءمة لتحقيق الغرض الذي يستهدفه القانون.

 

وعليه، فإن السلطة التقديرية ليست خروجاً على مبدأ المشروعية، ولا تمثل امتيازاً شخصياً للموظف العام، وإنما هي اختصاص قانوني تمارسه الإدارة في الحدود التي رسمها المشرّع، ولتحقيق الأهداف التي حددها.

 

وتكمن الخطورة في الخلط بين حرية التقدير وحرية التصرف المطلق؛ فالسلطة التقديرية لا تعني أن الإدارة تستطيع اتخاذ أي قرار تراه مناسباً بمعزل عن الضوابط القانونية، كما لا تعني أن اعتبارات الملاءمة الإدارية تسمو على الحقوق التي كفلها القانون.

 

فثمة فرق جوهري بين أن تختار الإدارة، من بين بدائل قانونية متعددة، البديل الذي تراه أكثر تحقيقاً للمصلحة العامة، وبين أن تتخذ قراراً تحكمه اعتبارات شخصية أو غايات لا صلة لها بالهدف الذي خولها القانون سلطة تحقيقه.

 

وفي الحالة الأولى، نكون أمام ممارسة مشروعة للسلطة التقديرية، أما في الحالة الثانية، فقد نكون أمام انحراف بالسلطة أو تعسف في استعمالها، بحسب طبيعة الوقائع والأدلة والضوابط القانونية المنطبقة على النزاع.

 

ثانياً: التعسف في استعمال السلطة وانحراف القرار الإداري عن غايته

 

يقوم القرار الإداري المشروع على مجموعة من العناصر والضوابط التي تضمن صدوره عن جهة مختصة، وفق الإجراءات المقررة قانوناً، واستناداً إلى سبب صحيح، وبمحل جائز، وغاية تتفق مع المصلحة العامة التي استهدفها المشرّع.

 

ولا يكفي، لتحقيق المشروعية، أن يصدر القرار عن جهة تملك الاختصاص، أو أن يتخذ شكلاً مستوفياً للإجراءات؛ إذ قد يكون القرار مستوفياً لبعض متطلباته الشكلية، ومع ذلك يشوبه عيب في السبب أو الغاية أو إساءة استعمال السلطة.

 

وتتجلى خطورة الانحراف بالسلطة عندما تستخدم الإدارة اختصاصاً منحها القانون إياه لتحقيق غرض مغاير للغرض المشروع، كأن يكون الدافع الحقيقي للقرار الانتقام من موظف، أو الإضرار بشخص معين، أو تحقيق مصلحة خاصة لا تتفق مع مقتضيات الوظيفة العامة.

 

كما قد يظهر الخلل في اتخاذ القرار بناءً على وقائع غير صحيحة، أو إغفال وقائع جوهرية، أو تطبيق النص القانوني على نحو لا ينسجم مع مضمونه وهدفه.

 

ومع ذلك، فإن وصف القرار بالتعسف لا ينبغي أن يستند إلى مجرد شعور الفرد بالغبن أو عدم رضاه عن النتيجة التي انتهت إليها الإدارة؛ بل يتطلب فحصاً موضوعياً للقرار، وأسبابه، والظروف المحيطة بإصداره، ومدى اتصاله بالغاية القانونية التي ينبغي أن يحققها.

 

فليس كل قرار ضار بالفرد قراراً غير مشروع، كما أن كل قرار تتخذه الإدارة باسم المصلحة العامة لا يكتسب المشروعية بمجرد الاستناد إلى هذا التعبير. والعبرة في النهاية بمدى توافق القرار مع القانون، وبسلامة الأساس الذي قام عليه، والغاية التي استهدف تحقيقها.

 

ثالثاً: الرقابة القضائية ضمانة أساسية لمواجهة التعسف الإداري

 

إن خضوع الإدارة للقانون يظل مبدأً نظرياً ناقص الفاعلية ما لم تقترن به ضمانات عملية تتيح للأفراد الاعتراض على القرارات التي تمس حقوقهم ومراكزهم القانونية.

 

ومن هنا تتجلى أهمية القضاء الإداري، الذي يضطلع بدور أساسي في تحقيق التوازن بين امتيازات الإدارة العامة والحقوق المشروعة للأفراد، من خلال التحقق من مدى التزام القرارات الإدارية بأحكام القانون.

 

وقد كرس الدستور العراقي لسنة 2005 هذا الاتجاه في المادة (100)، التي نصت على أنه: «يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن». ويمثل هذا النص ضمانة دستورية مهمة ضد إغلاق أبواب الرقابة القضائية على الأعمال والقرارات الإدارية على نحو يخالف الدستور.

 

كما نظم قانون مجلس الدولة رقم (65) لسنة 1979، المعدل، اختصاصات القضاء الإداري، وأورد ضمن أسباب الطعن في الأوامر والقرارات الإدارية مخالفة القانون، وعيوب الاختصاص والشكل والإجراءات والسبب والمحل، فضلاً عن إساءة استعمال السلطة أو الانحراف عنها.

 

وتبرز أهمية هذه الضمانات في أنها تجعل القرار الإداري خاضعاً للفحص القانوني، بدلاً من أن يكون تعبيراً نهائياً عن إرادة الإدارة لا يجوز مساءلتها بشأنه.

 

ومع ذلك، فإن الرقابة القضائية لا تعني أن يحل القاضي نفسه محل الإدارة في كل اختيار تقديري تملكه قانوناً؛ فالأصل أن تمارس الإدارة اختصاصاتها ضمن الحدود المقررة لها، بينما تتولى المحكمة التحقق من مشروعية القرار، وفق نطاق اختصاصها والقواعد القانونية واجبة التطبيق.

 

وبذلك تتحقق معادلة دقيقة: إدارة تتمتع بالمرونة اللازمة لأداء وظائفها، وقضاء يضمن ألا تتحول هذه المرونة إلى وسيلة لتجاوز القانون أو الانتقاص من الحقوق.

 

رابعاً: المسؤولية عن القرار الإداري غير المشروع وجبر الضرر

 

لا تنتهي الإشكالية القانونية دائماً عند إلغاء القرار الإداري غير المشروع؛ فقد تترتب على القرار، أو على تنفيذه، أضرار مادية أو معنوية تصيب الفرد في مصالحه وحقوقه ومركزه الوظيفي أو المالي.

 

وفي مثل هذه الحالات، تبرز مسألة التعويض بوصفها إحدى صور الحماية القانونية، متى توافرت شروط المسؤولية المقررة قانوناً، وثبت الضرر، وقامت العلاقة السببية بينه وبين الفعل أو القرار المنسوب إلى الإدارة.

 

ويجب التمييز هنا بين عدم مشروعية القرار الإداري وبين استحقاق التعويض عنه؛ فإلغاء القرار والتعويض عن الأضرار الناجمة عنه مسألتان مترابطتان، ولكنهما ليستا متطابقتين بالضرورة. إذ يتوقف الحكم بالتعويض على توافر شروطه القانونية، وعلى ما يثبت في الدعوى من وقائع وأدلة، وعلى اختصاص المحكمة التي تنظر المطالبة.

 

وتزداد أهمية هذا التمييز في الحالات التي يترتب فيها على القرار الإداري حرمان الفرد من حق مالي، أو تعطيل مركز وظيفي، أو إلحاق ضرر بمصلحة مشروعة كان يتعين على الإدارة مراعاتها.

 

فالدولة القانونية لا تكتفي بتصحيح الخطأ الإداري متى أمكن ذلك، بل تقتضي أيضاً وجود وسائل قانونية فعالة لجبر الضرر الذي ثبتت مسؤولية الإدارة عنه، وفقاً للقانون.

 

غير أن المسؤولية لا ينبغي أن تُبنى على افتراض الخطأ في كل حالة، كما لا يجوز أن تكون صعوبة إثباته ذريعة لإهدار حقوق المتضررين. وإنما يتطلب الأمر موازنة منضبطة بين حماية المال العام من المطالبات غير المستحقة، وضمان عدم تحميل الأفراد وحدهم تبعات الأخطاء الإدارية التي يثبت قانوناً أنها ألحقت بهم ضرراً موجباً للتعويض.

 

خامساً: من المشروعية الشكلية إلى الإدارة الرشيدة

 

إن بناء إدارة عامة فاعلة لا يتحقق بكثرة القرارات والتعليمات، ولا بمجرد الالتزام الشكلي بالإجراءات، بل يتطلب ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل احترام القانون والحقوق جزءاً من عملية اتخاذ القرار ذاتها.

 

ويقتضي ذلك أن تستند القرارات الإدارية، كلما تطلب القانون أو طبيعة القرار ذلك، إلى أسباب واضحة وقابلة للتحقق، وأن تُراعى فيها المساواة بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة، وأن تخضع الإجراءات لمعايير الشفافية والموضوعية، مع إتاحة سبل التظلم والطعن التي يقررها القانون.

 

كما يتطلب الأمر تطوير الكفاءة القانونية لدى العاملين في الإدارة العامة، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتفادي القرارات التي تصدر دون دراسة كافية لآثارها القانونية والعملية.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن يدرك متخذ القرار الإداري أن سلطته ليست امتيازاً منفصلاً عن المسؤولية، بل اختصاص مقيد بحدود القانون وموجه لتحقيق الصالح العام.

فكلما ازدادت الإدارة وضوحاً في أسباب قراراتها، والتزاماً بالمعايير القانونية في إصدارها، تراجعت احتمالات النزاع، وتعززت ثقة الأفراد بالمؤسسات العامة، وأصبح القضاء الإداري ضمانة استثنائية عند وقوع المخالفة، لا بديلاً عن الإدارة السليمة.

خاتمة

إن السلطة التقديرية ضرورة لا غنى عنها لعمل الإدارة العامة، غير أن ضرورتها لا تبرر إطلاقها من القيود، كما أن حماية المصلحة العامة لا تتحقق بإضعاف الضمانات القانونية للأفراد، بل بإقامة التوازن بين فاعلية الإدارة وخضوعها للقانون.

فالمعيار الحقيقي لسلامة القرار الإداري لا يكمن في صدوره عن سلطة عامة فحسب، وإنما في صدوره ضمن الاختصاص المقرر قانوناً، واستناده إلى أسباب صحيحة، واتجاهه إلى غاية مشروعة، واحترامه للحقوق والمراكز القانونية التي يحميها القانون.

ومن ثم، فإن مواجهة التعسف الإداري لا تبدأ عند أبواب المحاكم وحدها، بل تبدأ من ثقافة قانونية داخل مؤسسات الدولة، تؤمن بأن السلطة أمانة وظيفية، وأن المصلحة العامة ليست عبارة تُستعمل لتبرير القرارات، وإنما غاية قانونية يتعين إثبات احترامها في ممارسة الاختصاصات العامة.

فالدولة التي تحترم القانون لا تنتقص من هيبة إدارتها حين تسمح بمساءلتها، بل تعزز هذه الهيبة؛ لأن الإدارة التي تخضع للقانون تستمد مشروعيتها من احترامه، لا من حصانتها من الرقابة.


مشاهدات 21
الكاتب صفد نوري أحمد الملحاني
أضيف 2026/11/04 - 3:48 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 8883 الكلي 16659417
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير