كتاب مرايا التجلّي: دراسات وقراءات وآراء في شعر عبد المنعم حمندي
زيد الجواد
صدر حديثا كتاب (" مرايا التجلّي" دراسات وقراءات وٱراء في شعر عبد المنعم حمندي)
يُقدّم فهرس كتاب "مرايا التجلّي" خارطة نقدية غنية ومتنوعة، تعكس عمق التجربة الشعرية للشاعر الكبير عبد المنعم حمندي واتساع أفقها الدلالي والفني. من خلال تتبع العناوين وأسماء النقاد، وعند قراءة هذا السفر النقدي يتكشف لنا أن الكتاب يتوزع على مسارات نقدية متكاملة تقارب عوالم حمندي من زوايا متعددة، تشمل البنية الإيقاعية، التشظي وذاكرة المكان، السرديات الوطنية، وقراءات في دواوين وقصائد مفصلية.
أولاً: قراءات في البنية النصية وهندسة القصيدة (حراسة الكلمة وقنص الصور)
يفتتح الكتاب بمدخلات نقدية تركز على البنية المعمارية للقصيدة الحمندية وأسلوب اشتغالها الفني:
حارس الكلمة وقناص الصور: حيث يضيء الناقد عبد العظيم محمد في قراءته (ص 5) وكذلك في مقالته (هل يرتوي الشاعر عبد المنعم حمندي من نهر ظمي؟ ص 133)، عناية الشاعر الدقيقة بـ "هندسة القصيدة"، حيث يبرز حمندي كصائغ بارع للكلمة وقانص للصور البصرية المبتكرة التي تعزز طاقة النص الشعرية.
معمار الصورة وإيقاع الفكرة:و يقرأ الناقد عماد آل جلال (ص 321) التلاحم القائم بين البناء البصري والصورة الشعرية وبين العمق الفكري والإيقاع الداخلي للقصيدة.
البنية الإيقاعية والنص ، ويكرس الناقد المصري مصطفى حسن دراسات تحليلية لمتون شعرية محددة مثل "أبناء الماء" (ص 257)، متتبعاً البناء الإيقاعي والبنيات الدلالية العميقة التي تمنح نصوص حمندي فرادتها الموسيقية والدلالية.
ثانياً: فضاءات المكان، الذاكرة، والتأويل السيميائي
تُمثّل ثنائية المكان والذاكرة محوراً رئيسياً في التجربة الشعرية لحمندي، وهو ما انعكس بوضوح في الدراسات الآتية:
التشظي وذاكرة المكان: تدرس الدكتورة إيمان زيادة من الأردن في ديوان (نهر ظمي) (ص 25) كيف يتشظى المكان ويتحول إلى فضاء دلالي محمل بالحنين والذاكرة الجريحة. وفي عنوان:
(فجوات النص وفاعلية القارئ) تغوص الدكتورة بان جبار في (مدورة الحب والفصول الأربعة) (ص 37) لتبين كيف يستثمر الشاعر فجوات النص ليدفع القارئ نحو الشراكة التأويلية الفاعلة.
القراءات السيميائية والفلسفية:
يدرس الدكتور محمد رضا مبارك سيميائية النص في قصيدة "بكاء الشجر" (ص 299)، كاشفاً عن العلامات والرموز الإيحائية.
يتناول ناقد اخر الأبعاد الفلسفية والرمزية والجمالية في قصائد مثل (ما أضيق الأفق) (ص 59)، و"هل تعود السماء" (ص 67)، و"كآبة المرأة" (ص 77)، مسلطاً الضوء على عمق الرؤية الوجودية للشاعر.
ثالثاً: السرديات الوطنية، التاريخ، ومقاربات الواقع
لا ينعزل شعر حمندي عن هموم الواقع والوطن والتاريخ، بل يتخذ منها منطلقاً للمكاشفة:
الوطن في السرديات الشعرية: يبرز الناقد محمد شنيشل الربيعي (ص 137) الحضور الطاغي للوطن وهموم الهوية والوجود في سرديات حمندي.
ويقرأ الشاعر مراد السوداني من فلسطين والدكتور محمد رضا مبارك قصائد ذات أبعاد تاريخية ووجع إنساني مثل قصيدة "بعد الأندلس" (ص 47).
كما يقدم الناقد عامر محمد أحمد حسين من السودان قراءة في قصيدة "لماذا يكرهون الجلنار؟" (ص 145)، متتبعا دلالات الرفض والمواجهة في الخطاب الشعري.
رابعاً: ثنائية "انتحار الطين وسيرة الرماد" والتحولات الكبرى
تُعد قصيدة "انتحار الطين" محطة فارقة في شعر حمندي، حظيت بقراءات عميقة ومتعددة: لعل اهمها قراءة الدكتور ضياء خضير: (ص 155) الذي يقدم مقاربة نقدية شاملة لـ "انتحار الطين.. سيرة القصيدة".
ومقاربات فليب أبو فاضل من لبنان ،الذي تنوعت قراءاته لتشمل مقارنة نقدية بين "انتحار الطين.. وسيرة الرماد" (ص 173)، وقراءة في قصيدة "متى تستقيم الحياة؟" (ص 177)، ونص "لا نار في المدخنة" (ص 193)، إضافة إلى إضاءات على نصوص أخرى مثل (الادريس والهدهد) (ص 337)، مما يعكس متابعة دقيقة لمسار الشاعر المتجدد.
خامساً: إضاءات نقدية وشهادات وآراء في دواوين ومختارات متنوعة
يختتم الكتاب بباقات من القراءات والانطباعات النقدية والشهادات لعدد من الرموز الأدبية العربية:
شهادات ورسائل نقدية مهمة لكل من الدكتور ستار عبد الله (ص 355)، والشاعر والناقد الأستاذ الدكتور محمد رضا مبارك (ص 359).
آراء تتلاقى آراء لكل من عادل إبراهيم والروائي أمجد توفيق لتقدم قراءة متكاملة لديوان الصقر وأصفاد الريح وأبعاده الفنية.
انها قراءات مهمة أسبرت أعماق تجربة حمندي الشعرية وغاصت في عوالم الهموم اليومية والاجتماعية، ولا يمكن اغفال دراسات عادل سعد عن قصيدة الشوارع و قصيدة"تهجّدات عبدالمنعم حمندي" (ص 339 و347)، وقراءات الناقد رياض عبد الواحد في (في دم الحصى) وتأويلات قصيدة (ذُهول مُرّ) (ص 247 و281)، وقراءات ياس الركابي (ص 179) ومصطفى حسن في قصيدة (ذئب) (ص 267).
يقدم الكتاب مادة خصبة ترصد تطور القصيدة عند عبد المنعم حمندي، مبرزةً وفاءه للحداثة وبهاء الشعر، ومساهمةً في توثيق لحظات التجلّي الإبداعي لديه.
ويُشكل هذا العمل مرجعاً يُستند إليه في دراسة الشعر العراقي والعربي الحديث، إذ يضع بين يدي الباحث والقارئ حصيلة نقدية مكثفة لشعر أحد الأصوات المتجذرة في الخطاب الشعري الوجداني والرصين.
يُعدّ كتاب «مرايا التجلّي» تجربة نقدية توثيقية رائدة للأستاذ نبهان كيلان، نجحت في تقديم قراءة جامعة وشاملة لشعر عبد المنعم حمندي بأقلام عربية رفيعة المستوى، ليكون مرجعاً جمائياً ونقدياً ذا قيمة وثائقية وأكاديمية مهمة.
يُظهر هذا التنوع الغني أن كتاب "مرايا التجلّي" ليس مجرد قراءات عابرة، بل هو أرشيف نقدي متكامل يغطي مختلف تجليات الشاعر عبد المنعم حمندي ، بدءاً من هندسة القصيدة وبنائها الإيقاعي، مروراً بذاكرة المكان والتشظي، وصولاً إلى الأسئلة الفلسفية والوجودية والوطنية. وهذه الرؤى النقدية تشكل اليوم مرجعاً أساسياً لكل الباحثين والمهتمين بتتبع مسار الشعر العربي المعاصر.