ساعة الصفر وبركان المواجهة : واشنطن وتل أبيب تُخططان . وطهران تستعد؟
آريان ابراهيم شوكت
يتنفس الشرق الأوسط اليوم هواءً مفعماً برائحة البارود، متجاوزاً قواعد اللعبة القديمة وراسمات "حرب الظل" و"الإشارات الردعية" التي حكمت المنطقة لعقود. لم يعد السؤال المطروح في أروقة صنع القرار السياسي والعسكري في واشنطن وتل أبيب وطهران هو "هل تقع المواجهة المباشرة؟"، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وحرصاً: "متى تدق ساعة الصفر، وما هو الحجم الفعلي للزلزال الذي سيعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها؟.
تُشير القراءة العميقة للميدان والمواقف الدبلوماسية المُعلنة والمستترة إلى أن المسارات التفاوضية قد وصلت إلى أفق مسدود، وأن الدفاتر القديمة لضبط الإيقاع قد أُغلقت. إننا أمام مرحلة كسر إرادات حاسمة، تُحشد فيها الترسانات العسكرية لإدارة مواجهة لا تُبقي الموازين الإقليمية على ما كانت عليه.
خطوط المواجهة (واشنطن، تل أبيب، أوروبا، وطهران)
تتجلى الخطورة الراهنة في التحول الناعم في الخطاب السياسي للدول الفاعلة، حيث غابت لغة الدبلوماسية المرنة لحساب لغة الحسم العسكري .
الموقف الأمريكي (الردع الهجومي والحشد الأكبر):
تحولت واشنطن من إستراتيجية "احتواء الأزمات" إلى إستراتيجية "الردع الهجومي الحاسم". تُظهر تصريحات المسؤولين في البيت الأبيض والبنتاغون أن الخيار العسكري لم يعد مجرد أداة للضغط التفاوضي، بل أصلٌ قائم في التخطيط العملياتي. إن تدفق المجموعات الضاربة لحاملات الطائرات، وتكثيف وجود القواعد المتقدمة، ونشر المنظومات الدفاعية المتقدمة، يعكس استعداداً أمريكياً لمواجهة واسعة النطاق لا تتوقف عند حدود الضربة الجراحية المحدودة، بل تمتد لتأمين كامل المسرح الإقليمي.
الموقف الإسرائيلي (الفرصة الإستراتيجية والتكامل العملياتي):
تتعامل قيادة تل أبيب مع اللحظة الحالية باعتبارها "نافذة فرصة تاريخية" غير قابلة للتكرار، تهدف إلى تفكيك بنية الردع المقابلة وتجريد خصمها الإقليمي من ميزاته الإستراتيجية. تتركز التصريحات الإسرائيلية حول ضرورة منع أي تحول في معادلة التوازن التفاضلي، وسط تنسيق استخباري وعملياتي رفيع المستوى مع القوات الأمريكية لضمان شل قدرة طهران على تنفيذ ردود أفعال متزامنة ومكثفة.
الموقف الأوروبي (بين الالتزام بالحلف والخشية من الانهيار):
يقف القادة الأوروبيون في مساحة إستراتيجية ضيقة ومُربكة؛ فمن جهة يلتزمون بالتنسيق الأمني والعسكري مع الحليف الأمريكي، ومن جهة أخرى ينظرون ببالغ القلق إلى تداعيات التفجير الإقليمي الكبير. تتخوف العواصم الأوروبية من أزمتين لا قِبَل لها بهما . انهيار أمن الطاقة العالمي في وقت حساس، وتدفق موجات نزوح جديدة، مما يجعل أدبياتها السياسية تراوح بين التحذير من التصعيد والمشاركة الفعلية في حماية خطوط الملاحة والمصالح الغربية عند بدء العمليات.
الرد الإيراني (عقيدة الدفاع الممتد والوعيد الشامل):
في المقابل، لم تتأخر طهران في ترسيخ عقيدة "الرد الشامل". وتشير التصريحات الصادرة عن القيادات العسكرية والحرس الثوري إلى أن أي ضربة عسكرية تُوجه إليها ستُعامل كإعلان حرب شاملة. ترفض طهران معادلة "الضربة المحصورة"، وتبني حساباتها على أساس توسيع رقعة النار لترتفع تكلفة الحرب على الجميع، مستندة إلى شبكة من التحالفات والفاعلين من غير الدول، وإلى ترسانة صاروخية وبنية مسيّرات صُممت خصيصاً لحرب الاستنزاف المفتوحة.
سيناريو الضربة العسكرية وتحديد "ساعة الصفر"
إن حجم الحشد العسكري والتخطيط اللوجستي المشترك بين واشنطن وتل أبيب وحلفائهما يؤكد أن العمليات المرتقبة لن تكون مجرد عرض قوة، بل مناورة استئصال تكتيكية وإستراتيجية.
وتتجه الأنظار نحو بنك أهداف مركب يستهدف بالدرجة الأولى مراكز القيادة والسيطرة الشريانية، والمنشآت الحيوية للتخصيب النووي، ومصانع وتجميع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إضافة إلى القواعد الجوية ومحطات الرادار وشبكات الدفاع الجوي المتقدمة. ويعتمد هذا المخطط على أحدث الأسلحة في الترسانة الغربية: الطائرات الشبحية (F-35 و B-2)، وصواريخ كروز الموجهة عبر البحار (توماهوك)، والقنابل الخارقة للمحصنات التي تستهدف البنى التحتية الشديدة العمق تحت الأرض.
أما فيما يتعلق بـ "ساعة الصفر"، فإن تحديدها ميدانياً لا يخضع فقط للاكتملال الاستخباري، بل يترابط شرطياً بانتهاء التحصينات الدفاعية الكاملة للقواعد الأمريكية والمصالح الحيوية في الخليج والشرق الأوسط. إن إطلاق أول صاروخ لن يتم إلا بعد التثبت من قدرة المنظومات الدفاعية على استيعاب ومحي الموجة الأولى من الرد الإيراني المفترض.
جغرافية الرد الإيراني: من إسرائيل إلى أربيل وتخوم الخليج
تتضح خطورة المشهد من خلال خرائط الأهداف التي حددتها طهران في أدبياتها الردعية. إذ لا تضع طهران حدوداً جغرافية لمعركتها الدفاعية، بل تعتبر كل نقطة يتواجد فيها النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي هدفاً مشروعاً ومباشراً:
1. الداخل الإسرائيلي: من خلال إطلاق موجات متصالبة وكثيفة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيرة الانتحارية، بهدف إغراق المنظومات الدفاعية (كالقبّة الحديدية ومقلاع داوود) وإحداث أضرار مادية ومعنوية عميقة.
2. العراق وإقليم كُردستان (تركيز خاص على أربيل): يُعتبر العراق، وتحديداً إقليم كردستان ومدينة أربيل، أحد أكثر النقاط حرجاً وسخونة في المعادلة المرتقبة. تنظر طهران إلى أربيل ببالغ التوجس، متهمة إياها باحتواء مقار استخباراتية وقواعد وأصول عسكرية أمريكية ومراكز هجومية. لذا، فإن أربيل تقف في الخط الأمامي لسيناريو الرد الإيراني، سواء عبر القصف الصاروخي المباشر أو عبر تحريك الفصائل الحليفة، مما يضع الإقليم والعراق في قلب المستنقع العسكري.
3. القواعد الأمريكية ودول الخليج العربي: تُشدد التهديدات الإيرانية على أن القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج ستكون تحت النار المباشرة في حال انطلاق أي عمل حربي منها. كما تُلوّح طهران باستخدام ورقة أمن الطاقة والتجارة البحرية؛ من خلال تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، واستهداف المنشآت النفطية والموانئ الحيوية، مما يعني دفع الاقتصاد العالمي ونشاط الطاقة نحو أزمة غير مسبوقة.
التداعيات الجيوسياسية وإعادة تشكيل خارطة المنطقة
إن انطلاق هذه الحرب لن يكون مجرد صفحة عسكرية تُطوى بعد أن تضع الحرب أوزارها، بل هو بداية زلزال جيوسياسي سيُعيد رسم خارطة الشرق الأوسط السياسية والأمنية بعمق:
1- فإذا تمكن التحالف الغربي-الإسرائيلي من شل القدرات العسكرية والنووية لإيران، فإن ذلك سيؤدي إلى تراجع دورها الإقليمي وصعوبة في بسط نفوذها العابر للحدود بنفس الآليات السابقة. في المقابل، قد تلجأ طهران إلى نمط "حرب العصابات الإقليمية والشاملة"، مراهنة على طول نفس الفاعلين غير الحكوميين لاستنزاف خصومها.
2- اختبار السيادة والوجود في العراق وكردستان:
ستواجه بغداد وأربيل تحدياً وجودياً يتعلق بالقدرة على حماية أراضيها ومنع تحويلها إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة. قد تفرض التداعيات العسكرية واقعاً أمنياً جديداً يُعيد ترتيب العلاقات الداخلية بين حكومة اقليم كُردستان والحكومة الاتحادية، ويتطلب إعادة تعريف آليات التعاون الأمني مع واشنطن والمحيط الإقليمي.
3. إعادة تنظيم المنظومة الأمنية في الخليج:
ستجد دول المنطقة نفسها أمام ضرورة ملحة لصياغة هندسة أمنية جديدة، تتراوح بين تعزيز الدفاع المشترك وتعميق التحالفات الدولية، وبين محاولة إيجاد صيغ حذرة للحياد النشط لحماية البنية التحتية والمكتسبات الاقتصادية من شظايا الصراع الدائم.
4. الهزة الاقتصادية العالمية:
إن التأثير العابر للحدود لهذه الحرب سيظهر فوراً في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ إن أي تعطيل لتدفق النفط عبر مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاعات قياسية في أسعار الخام، مما يُدخل الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية حادة ويكبح جماح النمو في معظم الدول المستهلكة.
بين إعادة الهيكلة وحرب الاستنزاف الطويلة
يقف الشرق الأوسط اليوم على جسر متحرك فوق هاوية سحيقة. إن الحرب المرتقبة بين واشنطن وتل أبيب وحلفائهم من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي العملية القيصرية التي يراد منها إعادة صياغة موازين القوة وتحديد هوية الإقليم للعقود القادمة.
وبينما تُضبط الساعات على توقيت "ساعة الصفر"، يبقى الرهان الأكبر هو مدى قدرة الأطراف على السيطرة على اتساع رقعة الحريق؛ فالمعارك قد تبدأ بقرار استراتيجي محدد، لكن الحروب الشاملة في الشرق الأوسط غالباً ما ترسم نهاياتها بنفسها، متجاوزة كل الحسابات والخرائط الموضوعة في الغرف المغلقة.