الساعة الخامسة والعشرون
مجيد الكفائي
يبدو أن الروائي الروماني قسطنطين جورجيو في روايته الشهيرة «الساعة الخامسة والعشرون» كان يستشرف زمناً يفقد فيه الإنسان قدرته على التحكم بمصيره وتصبح فيه المؤسسات أقوى من الفرد وتتحول الحياة إلى دوامة من الحروب والعبث والقرارات التي لا يملك أصحابها القدرة على تغيير نتائجها.
وإذا كان هذا الوصف قد عبّر عن مآسي الإنسان في زمن الرواية، فإنه يبدو اليوم أكثر التصاقاً بواقع منطقتنا العربية والعراق على وجه الخصوص حيث تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية فيما يدفع المواطن ثمن صراعات لم يكن شريكاً في صنع قراراتها.
لقد مرت المنطقة بتحولات قاسية منذ العهد العثماني ثم الاحتلالات والتدخلات والحروب والانقسامات وصولاً إلى واقع تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات وتضيع فيه الأولويات الوطنية بين حسابات السلطة ومصالح القوى المتنافسة.
أما العراق بما يمتلكه من ثروات بشرية وطبيعية وتاريخ حضاري عريق فما زال يبحث عن دولة تستثمر إمكاناته وتضع مصلحة شعبه فوق كل اعتبار.
والمأساة أن الأزمة لم تعد أزمة أشخاص فقط،بل أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة عميقة في الفكر السياسي، والإدارة، والقانون، وآليات صناعة القرار. لذلك، فإن ظهور مصلح أو قائد يمتلك النوايا الحسنة قد لا يكون كافياً، إذا بقيت البيئة التي تعيد إنتاج الأزمات على حالها وظلت المؤسسات عاجزة عن حماية الإصلاح واستدامته.
إن درس الساعة الخامسة والعشرين ليس أن التغيير مستحيل، بل أن الوصول إلى لحظة يصبح فيها التغيير بالغ الصعوبة هو الخطر الحقيقي. وحين تتأخر المعالجة لا يعود إصلاح الخلل مسألة قرار عابر، بل مشروعاً وطنياً يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات كفوءة، وقضاء مستقل، وتخطيط استراتيجي، ومشاركة شعبية، واعية. العراق والمنطقة لا يحتاجان إلى انتظار معجزة، بل إلى استعادة القدرة على الفعل قبل أن تصبح الساعة الخامسة والعشرون واقعاً سياسياً واجتماعياً لا يمكن احتواؤه. فالتاريخ لا يمنح الشعوب فرصاً بلا نهاية، والأوطان لا تُنقذ بالشعارات، وإنما بإصلاح حقيقي يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللمستقبل معناه.