البصرة تستعيد رسّامها الأمين.. الفضل يعود ليعلّم الضوء كيف يكون عراقياً
البصرة - علي الدليمي
لم يكن ذلك المساء في البصرة افتتاحاً اعتيادياً، بل كان طقس وفاء متأخر، أكثر من سبعين عملاً احتشدت على الجدران، كأنها تتنفس بعد غياب صاحبها، في المعرض الاستعادي الثاني للراحل جاسم الفضل، الذي احتضنته جمعية التشكيليين في البصرة بالتعاون مع عائلته، وافتتحه بيد محبة الفنان العائد من المنافي فيصل لعيبي، أمام جمهــــور من المبدعيــــن والمثقفين وعدسات الصحافة التي جاءت لتشهد عودة الروح إلى جسد المدينة. ما يدهشك في هذه التجربة الممتدة ليس وفرة الإنتاج فحسب، بل ذلك الإصرار على الإخلاص للحرفة في زمن استسهالها، الفضل لم يكن من أولئك الذين يغيرون جلودهم مع كل موضة، كان أكاديمياً حتى العظم، يبني لوحته كما يبني المعمار بيته، بأساس متين من المنظور والإنشاء والتشريح. ولذلك تنوعت مدونته التقنية بثراء لافت، بين كثافة الزيت وشفافية الأكواريل وحيوية الأكريليك ورصانة الخط التشريحي، دون أن يفقد خيطه الناظم: عين ترى الواقع وتحلم به في آن واحد.
تقف أمام أعماله فتشعر أنك أمام سليل شرعي لمدرسة بغدادية عريقة، وريث وفي لفائق حسن في عشقه للبراري والخيل والنور العراقي، لكنه ليس مستنسخاً، فالفضل صاغ لنفسه لغة خاصة، لغة تستلهم المحيط البصري الجنوبي بكل حمولته، النخلة، والهور، والوجه المتعب، وتعيد تشكيله ضمن رؤية تجمع بين التسجيل الأمين والتأويل الشاعري.
تارة يذهب نحو التكثيف التعبيري، وتارة يلامس التجريد، وتارة يعود إلى حضن الانطباع بكل بهجته، لكنه في كل تلك المحطات يبقى ابن البيئة، ابن الماء والطين.
واللافت في مسيرته أن بدايته لم تكن في صالات العرض النخبوية، بل في ذاكرة أجيال كاملة، فقد كان أحد جنود دار ثقافة الأطفال المجهولين، الذين رسموا أحلامنا في «مجلتي» لعقدين متتاليين، وصاغوا كتبنا المدرسية، فكان أول معلم للعين العراقية دون أن نعرف اسمه، تلك المهمة التي يعتبرها البعض هامشية، هي في الحقيقة صلب الرسالة التشكيلية، أن تذهب بالرسم إلى الناس، إلى الطفل، إلى الصف الدراسي، قبل أن تذهب به إلى القاعة. كان جاسم الفضل يردد أن خط الرصاص هو أصدق الخامات، لأنه ابن اللحظة النفسية الخالصة، بلا مساحيق، ومن هنا نفهم ولعه بفن التخطيط، حيث تتجلى براعته في اختزال الملامح الإنسانية بضربة واحدة واثقة. أما في اللون، فله لمسة لا تخطئها العين، سواء في دسامة الضربة الزيتية التي تبني الجسد، أو في سيولة المائي الذي يكاد يذوب كدمعة، وهو في كل ذلك يحاول الاقتراب من تلك النغمة الكلاسيكية الرصينة، لكن ليس كلاسيكية المتاحف الأوروبية الباردة، بل كلاسيكية الوجوه السمراء التي خبرت الشمس.
ايقونات صامته
إن محور اشتغاله الدائم هو الكائن المحلي بكل أوجاعه، لم يكن يبحث عن الإنسان المجرد في الكتب، بل عن الإنسان الذي يراه كل صباح، الكادح، الصياد، المرأة التي تحمل الخبز، الطفل الحافي، أولئك الذين حولتهم قسوة السنوات إلى أيقونات صامتة. ولذلك جاءت شخوصه محملة بثقل الواقع، ليست زخرفاً بل شهادة، هو رسام الشهادة الإنسانية بامتياز، يرسم الألم دون نواح، والكرامة دون ادعاء.
المعرض الاستعادي لم يكن مجرد جدران مليئة بالصور، بل كان شريط حياة كامل، من معرضه المبكر في غاليري 75 عام 1976، مروراً بمعارض نقابة الفنانين في بغداد والبصرة، والمكتبة المركزية، واتحاد الأدباء، والبيت والقصر الثقافيين، وصولاً إلى مشاركاته في مهرجان الواسطي ومعرض الشباب ومعرض لندن للكرافيك. هذه الرحلة الطويلة توجت بجوائز عديدة، منها المرتبة الأولى في فن التخطيط عام 1982 والثانية في البورتريه عام 1985، وشهادات تقديرية من نقابة الفنانين في مناسبات وطنية وفنية عديدة، إضافة إلى عمله الأكاديمي بصفته مـــدرس ورئيس قسم فـــــي معهد الفنون الجميلة، وعضويته المؤسسة في جماعة «مرحبا للألوان المائية». لقد كان الفضل مدرسة تمشي على قدمين، جمع بين صرامة الأستاذ وطيبة الجنوبي، بين حرفية النحات الذي نفذ جداريات بارزة في قصور البصرة، ومخيلة الرسام الذي سافر إلى إيطاليا ليعود أكثر عراقية.
رحل في التاسع والعشرين من أيلول عام 2022، لكنه ترك وراءه إرثاً يصعب تجاوزه، فنان من طراز نادر، لم يساوم على جودة اللوحة، ولم يهجر مدينته رغم كل الإغراءات. إن أهمية هذا المعرض الاستعادي الثاني تكمن في كونه يعيد الاعتبار لقيمة طالما أهملها النقد المتعجل، قيمة الاستمرارية والوفاء. ففي زمن يركض فيه الكثيرون خلف الصدمة البصرية والفكرة المستوردة، يأتي جاسم الفضل ليذكرنا بأن الأصالة ليست نقيض الحداثة، وأن الرسم ما يزال قادراً على أن يكون فعل مقاومة، وفعل حب، وفعل ذاكرة. البصرة اليوم وهي تستعيد ابنها، لا تستعيد لوحات فقط، بل تستعيد درساً في كيف يكون الفنان أميناً لترابه حتى الرمق الأخير.