الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
متى نعيش أحلامنا؟

← بواسطة azzaman

كلام أبيض

متى نعيش أحلامنا؟

جليل وادي

 

شد حزامه مبكرا، ومضى حافيا تارة ومنتعلا أخرى، متطلعا للحاق بالآخرين، فما زال بيته طينيا، وأثاثه بسيطا، قلق من أبسط غيمة شتوية، وعندما تمطر السماء يتعقد يوم عائلته التي تظلتتخبطوسط الوحل، ربما لثلاثة أيام حين يكون المطر شديدا، فينقطع رزقه طوال تلك الأيام ، ذلك ان الطريق التي توصله الى مكان عمله غير معبدة، ومسافتهاتقرب من ثلاثة كيلومترات، واذا ما اضطرته قساوة الظروف يتأبط حذائه ويتوكل على الله.

أقسمَ ألا يدخل بيته دينار حرام، يريد رزقه حلالا صافيا، أخلص في عمله فتمسك أصحاب العمل به، وزادوا من أجره، وان تركه يتأسفون، كل ذلك من أجل ان يتحرر من عقدة النقص التي رافقته، بيته مخجل، ويتعذر عليه دعوة أصدقائه، ويخشى أن يحل عليه ضيفا وهو بهذه الحال، ودائما ما يلتمس العذر لأبويه الفقيرين اللذين بالكاد تمكنا من اعالة أبنائهما وتربيتهم.

كثيرا ما لام نفسه، وعد ذلك خطأ جسيم، فما كان عليه ان يرتبط بمعارف وأصدقاء من أهل المدينة ممن يمتلكون بيوتا فارهة وسيارات حديثة، خصوصا وأن بعضهم لا يعرفون عن حياته شيئا سوى انه لا يملك سيارة، وما ان يُبدوا استعدادهم لايصاله الى منزله يختلق شتى الأعذارلثنيهم عن ذلك، لكي لا يروا بيته المتواضع، لا يريد لصورته أن تتهشم في أذهانهم، بينما شخصيته وثقافته مكنته من كسب احترامهم والتمسك بصداقته.  عقدة البيت كانت كابوسا يرافقه في ليله ونهاره، لكن أحلام يقظته ظلت ترسم له البيت الذي يراه خلاصا من عقدته، وليس ضخما للتباهي به بين الناس، ينظر لأطفاله بحسرة، يريد لهم حياة كريمة هانئة، فيحسب مدخولاته المالية فيتبّين له انه بحاجة الى ثلاثين عامالكي يتمكن من بناء البيت، لطالما تخيل نفسه جالسا على كرسي في مدخل بيته متأملا حديقته بأشجارها الوارفة وأزهارها الندية، مستمتعا بعطر ورد الياسمين الخلاب، لكن نشوب الحرب مع ايران دمر ذلك الحلم، فأخذت من العمر ريعان شبابه، وأضافت عشر سنوات أخرى لمدة انجاز البيت الحلم.  وبعد ان تجاوز منتصف الستينيات من عمره اكتمل البيت، بطابقين وواجهة جميلة، وشرفات فسيحة مطلة على فضاء ريفي أخضر على مد بصره، لكنه للأسف لم يعد قادرا على الصعود لتلك الشرفات بسبب آلام المفاصل، كما لم يستمتع بالمناظر الجميلة قبالة بيته لضعف بصره، وما عاد بمقدوره التنقل بسيارته الحديثة لشعوره بالدوار، ففقد البيت والسيارة بريقهما في عينيه. من المحزن ان تأتي الأشياء الجميلة في غير أوانها، وهذا كثيرا ما يحدث في بلادنا ، ووسط هذا الاحباط، حمد الله انه حرر أبنائه من عقدة البيت.

كل ذلك مر في ذاكرته بسرعة البرق، وهو يتجول برفقة ابنه الذي يقود سيارتهما في العاصمة بغداد متأملا العمارات السكنية التي أُنشئت بالاستثمار وبلغت أسعارها ما يفوق الخيال، وليس بمقدور أحد من الطبقات الفقيرة او المتوسطة السكن او الاستئجار فيها، وصارت حكرا على الأثرياء، مع ان بنائها جاء بداعي حل مشكلة السكن المزمنة في بلادنا التي يكابد معاناتها الفقراء بالأصل.

ليس جديدا على بلادنا أن يتذرع بعض السياسيين بالفقراء لتحقيق مآرب الأثرياء، تأملوا في الكثير من الثورات التي كان وقودها الفقراء الى أين انتهت، وما الحصيلة؟، فالفقراء ظلوا فقراء وربما بعضهم نزل تحت خط الفقر، بينما الأثرياء ازدادوا ثراء، وتقدموا صفوفنا. وكأننا بنينا شققا للقادرين، بينما نتطلع تخصيصها لغيرالقادرين، وهذاهوالمنطق، وما تفترضه العدالة الاجتماعية، ومانريده للذين وعدناهم بالغد المشرق، فالفقر ليس عوزا في المال فقط، بل هو جرح نفسي قد يشعر الانسان بالخجل حين يقارن حاله بالآخرين، لذا ينبغي تضميد هذا الجرح عاجلا قبل أن يتعمق في النفوس.

أخرجني ابني من صمتي، وقطع عليّ أفكاري، والتجوال في ذاكرتي ليسألني: هل لديك علم بساكني هذه الشقق، فأجبته: نعم، أسمع ما يُقال، وغير راض عما يجري، لكنها خطوة في طريق تحريرنا من عقدة تخلف عاصمتنا العمراني، ومع ذلك، مازال حق الفقراء بالسكن الكريم حلما بعيد المنال، والسؤال: مَنْ يُحررنا من العُقد التي نكابدها؟.

jwhj1963@yahoo.com

 

 

 


مشاهدات 35
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/10/24 - 1:09 PM
آخر تحديث 2026/10/24 - 11:59 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 48805 الكلي 16633974
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير