الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نصف محفظة ونصف قلب

← بواسطة azzaman

نصف محفظة ونصف قلب

ماهر التاله

 

حكاية من ذاكرة العيادة

هناك مواقف تمرّ في حياتنا كأنها لحظات عابرة، ثم تمضي الأيام فنكتشف أنها تركت في أعماقنا أثرًا لا يمحوه الزمن.. مواقف لا نتذكر فيها قيمة ما أُعطي لنا، بل قيمة الإنسان الذي أعطانا، ولا تبقى في ذاكرتنا تفاصيل المكان بقدر ما تبقى ملامح وجه وكلمات قليلة غيّرت شيئًا في داخلنا.

ومن بين المواقف التي عشتها في عملي، ما زلت أتذكر ذلك الرجل المسنّ الذي علّمني، من دون أن يقصد، درسًا لن أنساه ما حييت, وقد كان ذلك في أيام محنة التهجير التي مرّت بها مدينة الرمادي، حينما ضاقت الحياة بالناس، وأثقلت الظروف كاهل العائلات، وأصبح تدبير أبسط متطلبات العيش معركة يومية يخوضها كثيرون بصمت, ولم تكن أحوالنا نحن أيضًا بأفضل حال، فقد كنا نعيش قسوة تلك الأيام بما حملته من خوف وحرمان وضيق.

ففي أحد الأيام، جاءتني امرأة إلى عيادتي التي استأجرتها في بغداد في منطقة اليرموك, وبعد أن فحصتها وكتبت لها العلاج، نظرت إليّ بحرج، وقالت بصوت تختلط فيه المرارة بالاستسلام (( والله يا دكتور، ما عندي فلوس للعلاج, آني أرملة وعندي ثلاث بنات، ومهجرة واسكن المخيم وما عندي شغل)).

كانت كلماتها البسيطة تخفي معاناتها الكبيرة, امرأة فقدت زوجها، وأصبحت فجأة مسؤولة عن إعالة ثلاث بنات، وهم مهجرون بلا معين, وتحاول أن تواجه الحياة بما تبقّى لها من قوة، فإذا بالمرض يضيف إلى أعبائها عبئًا جديدا, ولم أجد من الكلمات ما يواسيها سوى أنني أخرجت مبلغًا من المال وأعطيته لها لتشتري ثمن علاجها, مع أني وقتها لم أكن ميسور الحال.

كان في غرفة العيادة رجل مسنّ، يجلس هادئا، وقد شهد ما حدث بيني وبين المرأة, ولم أتوقع أن يتدخل، ولم يخطر ببالي أن هذا الرجل الذي بدت على ملامحه آثار السنين وقسوة الحياة، كان يخبئ لي درسًا سيبقى عالقا في ذاكرتي  طويلًا, اذ ما أن غادرت تلك المريضة غرفة الفحص في عيادتي حتى مدّ يده إلى جيب ( دشداشته البسيطة )، وأخرج محفظة سوداء قديمة، بدت وكأنها بعمر صاحبها, ما لبث أن فتحها، وأخرج نقوده، مُقسِّمًا المبلغ إلى نصفين؛ أعاد نصفه إلى جيبه، واحتفظ بالنصف الآخر في يده, مدّ يده إليّ بالنقود، وقال بلهجته العراقية البسيطة (( دكتور، آني اللي بقى عندي يكفيني، انت تحتاج مصاريف أكثر مني, خذ هذا المبلغ إلك، بدل اللي أعطيتهم للمريضة)), مع العلم انه كان مهجرا ايضا ويسكن في اطراف بغداد في حينها, وبالتأكيد يعاني ضيق الحال, ولكن كان في تصرفه عظمة لا تحتاج إلى مظهر، وفي هدوئه كرامة لا تحتاج إلى شرح.

في تلك اللحظة، شعرت أن شيئًا في داخلي قد انكسر, ولم أتمالك نفسي، فانهمرت دموعي، وأجهشت بالبكاء, ولم يكن بكائي حزنًا على اهلي ومدينتي وكيف قست علينا الظروف، بل كان مزيجًا من الدهشة والامتنان والخجل أمام إنسان لم تمنعه حاجته رغم فقره وقلت حيلته من أن يفكر في حاجة غيره, ولم يكن مني الا أن اقترب منه وأقبل رأسه.  

ولم أجد كلمات تليق بما فعله، ولم أستطع أن أعبّر له عما شعرت به, وكيف يمكن للكلمات أن تشرح وقع تلك اللحظة؟ وكيف لطبيب، ظنّ أنه يقدّم مساعدة بسيطة لمريضة محتاجة، أن يجد نفسه فجأة أمام رجل يقتطع نصف ما يملك ليخفف عن غيره ؟.

نظر إليّ الرجل، وقال كلمته التي ما زالت ترنّ في أذني إلى اليوم، بلهجته الأنباريه الأصيلة:

.«الله ما يگطع»

لم تكن سوى ثلاث كلمات فقط، لكنها كانت أبلغ من خطبة طويلة, فهو آثر أن يمد يد العون متغافلا  فقره وحاجته ، ولم يطلب شكرًا أو ثناءً, وقد أعطاني ما استطاع، ثم ترك الأمر لله، وكأن العطاء بالنسبة إليه ليس فضلًا يمنّ به على أحد، بل قيمة يعيش بها ويطمئن اليها.

في تلك اللحظة، لم أعد أر أمامي مجرد مريض مسنّ، بل رأيت معنى الكرامة في أبسط صورها، ورأيت كيف يستطيع الإنسان، مهما ضاقت به الحياة، أن يحتفظ في داخله بمساحة واسعة للآخرين.

كنا يومها نعيش ظروفًا قاسية، وكان كل واحد منا يحمل همومه الخاصة، لكن ذلك الرجل جعلني أفهم أن الفقر لا يسلب الإنسان قدرته على العطاء، وأن الحاجة لا تعني بالضرورة الأنانية، وأن بعض الناس، كلما أثقلتهم الحياة، ازدادوا شعورًا بآلام الآخرين.

لقد أعطاني الرجل المسن درسًا بقي في ذاكرتي سنوات طويلة, وبالمقابل أعطيته في تلك اللحظة دموعي وقبلة على رأسه.

علّمني أن الكرم ليس أن تمنح الآخرين مما يفيض عن حاجتك، بل أن تشعر بحاجتهم حتى وأنت محتاج, وأن الشجاعة ليست دائمًا في مواجهة الخطر، بل قد تكون في أن تفتح محفظتك المتواضعة وتمنح بعض مما فيها لمن تظن أنه أحوج منك.

ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء في نظرتي إلى الغنى والفقر, فلم أعد أر الغنى فيما تمتلكه الأيادي، بل فيما تتسع له القلوب, فكم من إنسان امتلأت جيوبه وفرغ قلبه، وكم من إنسان أرهقته الحاجة، لكنه امتلك من النبل ما يعجز عنه أصحاب الثروات؟.

أما ذلك الرجل، فلا أذكر أنني احتفظت من لقائنا بصورة أو شيء مادي، لكنني احتفظت بما هو أثمن من ذلك كله: صورة وجهه الأسمر، ومحفظته السوداء المجعّدة، ويده التي امتدت إليّ بنصف ما يملك، وكلماته التي لا زالت ترن في أذني والتي اختصرت فلسفة كاملة في الحياة (( الله ما يگطع )).

 


مشاهدات 72
الكاتب ماهر التاله
أضيف 2026/10/24 - 2:53 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 3:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 353 الشهر 46722 الكلي 16631891
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير