الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دجلة رحلة الموت البطيء

← بواسطة azzaman

دجلة رحلة الموت البطيء

حسين علي الحمداني

 

على امتداد نحو 1400 كيلومتر داخل العراق، لم يعد دجلة نهراً يغذي الحياة كما كان، بل تحول في أجزاء واسعة منه إلى مجرى مفتوح يستقبل المخلفات ومياه الصرف الصحي. ووفق إحصاءات مرصد العراق الأخضر، هناك أكثر من 500 مصدر تلوث دائم تصب في دجلة والفرات مباشرة أو عبر روافدهما.

بغداد هي قلب الكارثة. ففيها وحدها رُصدت 23 بؤرة تلوث حادة، بينها أنابيب ومصبات تطلق مياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية من دون معالجة كافية. وتُرمى في دجلة يومياً كميات هائلة من المياه غير المعالجة، في وقت يصل فيه مجموع ما يُطرح في نهري دجلة والفرات إلى ملايين الأمتار المكعبة يومياً في عموم العراق.

المفارقة المؤلمة أن نهر ديالى، القادم من جهة الخالص، لم يعد يحمل المياه إلى دجلة فقط، بل يحمل معه أيضاً جزءاً من أعباء التلوث المتراكمة. فالمياه القادمة من مناطق ومحطات التصريف في بغداد تضيف إلى النهر خليطاً من الملوثات العضوية والكيميائية.

وما إن يعبر دجلة بغداد حتى تبدأ رحلة التراكم جنوباً. واسط وميسان تتلقيان آثار التلوث القادم من أعالي الحوض، وذي قار تتجمع فيها ملوثات الحوض السفلي، أما البصرة فتصل إليها المياه وقد حملت معها تراكمات طويلة من الملوثات، في وقت تعاني فيه المحافظة أصلاً من أزمة الملوحة وشح المياه.

الأخطر أن قدرة النهر على التخفيف من تركيز الملوثات تراجعت مع انخفاض المناسيب وتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع. فكلما قل الماء، ارتفعت نسب تركيز الملوثات والأملاح، وأصبح النهر أكثر هشاشة أمام أي مصدر جديد للتلوث.

والخطر لم يعد يتعلق بلون الماء أو رائحته فقط. فقد أظهرت تحاليل ودراسات بيئية وجود ملوثات كيميائية خطرة في بعض مصادر المياه، بينها مركبات تحتاج إلى معالجة متخصصة ولا تكفي معها طرق التنقية التقليدية.

هنا تتحول قضية دجلة من ملف بيئي إلى قضية صحة عامة.

فالمشكلة ليست أن النهر أصبح أقل جمالاً، بل أن الماء الذي كان أساس الحياة أصبح يحمل مخاطر على الحياة نفسها.

دجلة لم يعد يعاني من شحة الماء فقط، بل من تراجع نوعية ما تبقى منه.

وما يبدأ كمصب صغير في بغداد، قد ينتهي أزمة صحية وبيئية في البصرة.

المأساة أن النهر لا ينسى ما نلقيه فيه؛ كل ما يُرمى في دجلة يسافر معنا إلى الجنوب.

 

 


مشاهدات 40
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/09/26 - 12:51 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 1:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 157 الشهر 43887 الكلي 16576407
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير