وإقترب الثلاثون حين تبدأ مرحلة الدولة
محمد خضيرِ الأنباريِ
اقتربَ الثلاثون، ليسَ المقصودُ يوما في التقويمِ بقدر، ما هوَ موعدٌ يدعونا إلى التأملِ في مسيرةِ وطنٍ دفعُ أبنائهِ منْ أعمارهمْ ودمائهمْ ثمن باهظ، وبعدَ عقودٍ منْ الحروبِ والأزمات، آنَ للعراقِ أنْ يتطلعَ إلى مرحلةٍ جديدة: مرحلةُ الدولة، والقانون، والاستقرار، فليغادرنا الأجنبي أولًا وقبل كل شيء وطني.
نريدُ عراقا كامل السيادة، يقدرُ ما قدمَ لهُ منْ مساعدةٍ في أصعبِ مراحله، لكنهُ يمضي اليومَ بإرادتهِ الوطنية، ويجعلُ قراره بيدِ مؤسساتهِ الدستورية. لقدْ حملَ العديد منْ الشبابِ السلاح، بعد الفتوى الجهادية المباركة، حينَ كانَ الوطنُ مهددا، لمْ تكنْ غايتهمْ السلطة أوْ النفوذ، بلْ الدفاع عنْ الأرضِ والأهل، وتلكَ التضحيات تبقى جزءا منْ ذاكرةِ العراق، لكنَ لكلِ مرحلةٍ ظروفها، ولكلِ تضحية غايتها؛ وما يحتاجهُ العراقُ اليومَ ليسَ استمرارَ لغةِ السلاح، بلْ ترسيخَ لغةِ القانونِ والحوار.إنَ قرار الحكومة بحصرَ السلاح، بيدِ الدولةِ لا يعني التخليَ عنْ الوطن، ولا إنكار تضحياتِ منْ دافعوا عنه، بلْ يعني نقل التضحيةِ منْ ميدانِ المواجهةِ إلى ميدانِ البناء. فالعراقُ يحتاجُ إلى شبابهِ أحياء، إلى علمهمْ وعملهم، وإلى قدرتهمْ على بناءِ المستقبل. وقدْ قالَ تعالى:؟ والصلحُ خيرا؟ خيرٌ وقال: (وإنْ جنحوا للسلمِ فاجنحْ لها ) ، فالسلامُ الذي يحقنُ الدماءَ ليسَ ضعفا، والحوار الذي يحفظُ الوطنَ ليسَ تراجعا، والحكمة التي تمنعُ الحربَ ليستْ هزيمة. في تراثنا ما يؤكدُ قيمةَ حقنِ الدماء؛ فقدْ اختارَ الإمام الحسن بن عليّ الصلح حينَ رأى أنَ عاقبةَ الحربِ مزيدٌ منْ الدماءِ والفتن، فيما لخصِ الإمامِ عليّ بن أبي طالبٍ (ع) في المواطنةِ والعدلِ بقولهِ عنْ الناس: (فإنهمْ صنفان: إما أخ لك في الدين، أوْ نظير لك في الخلقِ ) ، فالعراقُ اليومَ أحوج ما يكونُ إلى هذا المعنى: عراقيونَ مختلفونَ في آرائهمْ واتجاهاتهم، لكنهمْ أبناءُ وطنٍ واحد، فإذا اختلفنا، فلنتحاور؛ وإذا تنازعنا، فلنحتكمْ إلى القانون؛ وإذا اختلفتْ المواقفُ السياسية، فليكنْ خلافنا داخلَ المؤسسات، لا في الشوارع.
لقدْ أثبتَ التاريخ، أنَ الكلمةَ قدْ توقفَ حرب، وأنَ التفاوضَ قدْ ينقذُ حياةً لا يستطيعُ الرصاصُ أنْ يعيدها. هناك تجارب دولية عدة، في المقاومةِ السلميةِ تذكرنا، بأنَ القوةَ ليستْ دائما في السلاح، وأنَ بعضَ أعظمِ الانتصاراتِ تبدأُ حينَ يختارُ الإنسانُ طريقَ السلام.اقتربَ الثلاثون، فلنجعلها لحظةَ انتقالٍ منْ زمنِ السلاحِ إلى زمنِ الدولة، ومنْ لغةِ المواجهةِ إلى لغةِ الحوار، ومنْ الخوفِ على الوطنِ إلى العملِ منْ أجله. الوطنُ لا يحتاجُ إلى دمائنا تحتَ ترابه، بلْ إلى دمائنا في عروقنا. يحتاجُ إلى شبابنا وأيديهمْ تبني، وعقولهمْ تخطط، وقلوبهمْ تجمع، فلتكنْ شجاعتنا اليومَ في قبولِ الحوار، وإيماننا بأنَ الدولةَ بيتُ الجميع، وأنَ العراقَ يستحقُ أنْ تكونَ بندقيةْ أبنائهِ لحمايته، لا سببَ في اقتتالهم.