الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة الشعوب في حماية تراثها وصون ذاكرتها


رحلة الشعوب في حماية تراثها وصون ذاكرتها

عبدالرحمن الغانم

 

لا يعيش التراث بمجرد حفظه في الكتب والمتاحف، بل يستمر عندما تنتقل مهاراته ومعارفه من جيل إلى آخر. فالأسرة والمدرسة والحرفي والمؤسسات الثقافية جميعها تؤدي دوراً في نقل الحكايات والأمثال والأغاني والحرف والعادات إلى الأجيال الجديدة.

ويأتي التوثيق في مقدمة وسائل حماية التراث، من خلال تسجيل الروايات والصور والأفلام والوثائق والحرف والأزياء والأغاني والحكايات، وإنشاء أرشيفات تحفظ ذاكرة المجتمع من الاندثار. كما ينبغي أن يتحول المتحف من مستودع للقطع القديمة إلى مساحة تروي قصص الإنسان الذي صنعها وعاش معها.

ولا يمكن حماية التراث من دون حماية الإنسان الذي يحمله؛ فالحرفي والقلاف وصانع الفخار والنساء اللواتي يحفظن فنون التطريز والمطبخ الشعبي، يمثلون جزءاً أساسياً من التراث، ودعمهم يعني ضمان استمرار المعرفة لا مجرد حفظ المنتجات.

التراث يبدأ من الطفولة

تبدأ حماية الهوية من المدرسة والطفولة، عبر تعريف الطلبة بتاريخ مدنهم وحرفهم وأمثالهم وفنونهم، وتنظيم المعارض والمسابقات والزيارات للمواقع التاريخية والتدريب على الحرف التقليدية، ليصبح التراث تجربة حية لا مادة جامدة في كتاب.

التكنولوجيا في خدمة الذاكرة

أصبحت التكنولوجيا وسيلة مهمة لصون التراث، من خلال التصوير والتسجيل والمنصات الرقمية والواقع الافتراضي، فضلاً عن قدرة الذكاء الاصطناعي على فهرسة الوثائق وتحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص وترجمة المواد التراثية. والمهم أن تكون التكنولوجيا وسيلة لإنقاذ الذاكرة لا سبباً لنسيانها.

كما يمكن للتراث أن يتحول إلى مورد اقتصادي عبر دعم الحرف والمشروعات الصغيرة والمطاعم والأسواق والمهرجانات السياحية والثقافية، شرط الحفاظ على أصالته وعدم تحويله إلى منتج تجاري يفقد معناه.

لا نحمي التراث من الناس.. بل مع الناس

حماية التراث ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة، بل مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والجامعة والمتحف والبلدية والحرفي والباحث والشباب. فالمجتمع هو الحامل الحقيقي للذاكرة، وأهل الحي والحرفيون وكبار السن يمتلكون معرفة قد لا توجد في الكتب.

وفي الخليج والعالم العربي، يرتبط التراث بالبحر والصحراء والمدينة والأسرة، من صناعة السفن والغوص والصيد إلى البيوت والأسواق والأمثال والأزياء والأطعمة والفنون الشعبية. ولذلك ينبغي النظر إليه بوصفه منظومة متكاملة من الذاكرة واللغة والقيم والحرف والعادات والمكان والإنسان.

إن أخطر ما يهدد التراث ليس اختفاء القطعة القديمة فحسب، بل اختفاء الإنسان الذي يعرف قصتها. ولهذا فإن المطلوب هو مشروع عربي واسع يوثق شهادات كبار السن، ويدعم الحرفيين الشباب، ويدخل التراث في التعليم، ويطور المتاحف التفاعلية والأرشيفات الرقمية، ويمنح الشباب دوراً حقيقياً في حمايته.

فالتراث ليس عودة إلى الماضي، بل جذور تمنح المجتمعات القدرة على التقدم بثبات. وحين يبقى التراث حياً، تبقى الأمة قادرة على معرفة من أين جاءت، ومن تكون، وإلى أين تمضي.


مشاهدات 28
الكاتب عبدالرحمن الغانم
أضيف 2026/09/16 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/09/19 - 1:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 126 الشهر 31374 الكلي 16563894
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير