الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تغير المجتمع العراقي من الداخل

بواسطة azzaman

حين تغير المجتمع العراقي من الداخل

نبراس المعموري

 

خلال العقود الأخيرة لم تكن دوامة النزاعات الأمنية التي عاشها العراق مجرد أحداث سياسية وأمنية عابرة، كما لم تكن الانهيارات التي طالت مؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات مجرد خلل في الأداء العام؛ فقد تركت هذه التجارب آثاراً عميقة في الإنسان العراقي، وأعادت تشكيل كثير من أنماط التفكير والسلوك والعلاقات الاجتماعية.

فالمجتمعات التي تعيش سنوات طويلة تحت ضغط الخوف والعنف وعدم الاستقرار لا تخرج من أزماتها كما دخلتها. فالخوف المتكرر يتحول إلى حذر، وعدم اليقين يتحول إلى قلق، وفقدان الثقة بالمؤسسات قد يتحول تدريجياً إلى فقدان الثقة بالآخرين ايضاً.

ولعلنا نلمس اليوم في الحياة اليومية بعض هذه التحولات بوضوح. فقد أصبح الفرد العراقي، في حالات كثيرة، أكثر حذراً في علاقاته، وأقل استعداداً لمنح ثقته بسهولة، وأكثر ميلًا إلى اختبار نوايا الآخرين قبل التعامل معهم. وقد يصل الأمر احياناً إلى الشك المفرط، وكأن التجارب السابقة علمته أن الثقة قد تكون مصدراً للخسارة.

ومن مظاهر ذلك أيضاً السلوك العدواني أو الانفعالي أحياناً في الشارع والعمل ومواقع التواصل الاجتماعي. فالغضب السريع، والتوتر، والصوت المرتفع، وعدم تقبل الاختلاف، والرغبة في الرد بقوة، قد تكون في بعض الحالات انعكاساً لتراكم نفسي واجتماعي طويل أكثر من كونها مجرد سلوك فردي معزول.

وهنا ينبغي أن نكون حذرين في قراءة الظاهرة؛ فالعدوانية ليست صفة متأصلة في العراقي، كما أن انعدام الثقة ليس جزءً من طبيعته الاجتماعية. فالعراق عرف تاريخياً مجتمعاً قائماً على التكافل والضيافة والعلاقات الممتدة. لكن سنوات العنف والتهديد وفقدان الأمان يمكن أن تدفع الإنسان إلى بناء آليات دفاع نفسية واجتماعية تجعله أكثر صلابة وحذراً وأحيانًا أكثر قسوة في تعامله مع الآخرين.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما يقترن ذلك بضعف المؤسسات. فعندما لا يشعر المواطن بأن القانون قادر على حمايته بصورة عادلة، يصبح أكثر ميلًا إلى حماية نفسه بنفسه، أو الاستناد إلى العائلة والعشيرة والحزب وشبكة العلاقات. ومن هنا يتراجع مفهوم (المؤسسة)لصالح مفهوم (الشخص الذي يستطيع أن يحميك).

وتشير تجارب دول أخرى إلى أن معالجة آثار الصراعات لا تنتهي بانتهاء العنف. ففي رواندا، ارتبطت مرحلة ما بعد الإبادة الجماعية بجهود العدالة والمصالحة وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع. وفي البوسنة والهرسك، ما زالت آثار الحرب والانقسامات الاجتماعية والسياسية تذكر بأن الجراح المجتمعية تحتاج إلى أجيال من العمل على الحوار والتعايش وبناء المؤسسات.

أما تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فتقدم درساً مختلفاً يتمثل في أن إعادة البناء لم تكن إعماراً مادياً فقط، بل إعادة تأسيس لمؤسسات الدولة وسيادة القانون والتعليم والثقافة السياسية، بما يسمح بتغيير البيئة التي أنتجت الصراع.

والعراق بحاجة إلى قراءة هذه التجارب لا لاستنساخها لان لكل بيئة مجتمعية ادوات تختلف عن الاخرى ، برافق ذلك فهم حقيقة أساسية مفادها ان إعادة بناء الدولة لا ينفصل عن إعادة بناء الإنسان.

فالفرد الذي فقد الثقة بالمؤسسة يحتاج إلى أن يرى قانوناً عادلاً، والفرد الذي أصبح شديد الحذر من الآخرين يحتاج إلى بيئة اجتماعية أكثر اماناً، ومن أصبح سريع الغضب يحتاج إلى فضاءات للحوار والتعبير، ومن عاش سنوات من الخوف يحتاج إلى استعادة الشعور بأن المستقبل يمكن أن يكون أكثر استقرارًا من الماضي.

ان الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني تتحمل مسؤولية كبيرة في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، خصوصاً لدى الأجيال التي نشأت في ظل الأزمات وهنا السؤال الاهم هل تلك المؤسسات  قادرة على ان تتحمل المسؤولية في طل فوضى العمل المؤسساتي؟.

لكن علينا في المقابل، أن لا نغفل الوجه الآخر للمجتمع العراقي؛ فقد أظهر العراقيون قدرة كبيرة على الصمود والتكيف والتكافل والمبادرة. وهذه الطاقة الاجتماعية يمكن أن تكون اساساً لمرحلة جديدة إذا جرى توجيهها نحو بناء الثقة والمواطنة واحترام الاختلاف.

إن أخطر آثار النزاعات ليست دائماً ما يظهر في الخراب المادي، بل ما يستقر في الوعي والسلوك. فحين يصبح الشك قاعدة، والغضب وسيلة للتعبير، والعلاقات الشخصية بديلًا عن القانون، فإن آثار النزاع تستمر حتى بعد توقفه.

ولهذا فإن العراق لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن والبنى التحتية، بل إلى مشروع أوسع لإعادة بناء الثقة والإنسان والمؤسسة؛ مشروع يعيد للفرد شعوره بالأمان، ويعيد للمجتمع قدرته على التعايش، ويعيد للدولة مكانتها بوصفها المرجعية التي تحمي الحقوق وتطبق القانون على الجميع. فالمجتمعات لا تتعافى بمجرد توقف الحروب، وإنما عندما تتوقف الحروب عن العيش داخل سلوك أفرادها.

التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم ليس أن ينسى سنوات الصراع، وإنما أن يحول ذاكرتها من مصدر للخوف والشك والغضب إلى وعي يحمي المستقبل ويؤسس لمجتمع أكثر ثقة وتماسكاً.


مشاهدات 35
الكاتب نبراس المعموري
أضيف 2026/09/15 - 3:26 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 12:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 52 الشهر 26211 الكلي 16558731
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير