قراءة في الجزء الثاني من مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي
البعث كما عرفته .. وشهادة بشأن المعارضة العراقية
زهير كاظم عبود
الشهادة التي ادلى بها السياسي محمد رشاد الشيخ راضي عن المعارضة العراقية تعد شهادة دامغة، وتكشف صورا حقيقية مقترنة بالأدلة والوثائق، كما تكشف الارتباطات الخارجية لعدد من الشخصيات، وازدواجية السلوك لدى البعض الاخر ، وهذه الشهادة تأتي من الداخل ، والأدلة تشير الى ان الشيخ راضي كان من قيادات الجناح البعثي اليساري المعارض لنظام صدام ، وتم اعتقاله في بغداد بعد انقلاب 1968 ، وتمكن من الهروب والوصول الى سورية ، وقامت أجهزة الامن العراقية باعتقال شقيقه فؤاد الشيخ راضي وتسميمه حيث توفي في العام 1978 ، وما يطرحه في هذه المذكرات التي تحمل قيمة حقيقية وصادقة من داخل العمل المعارض ، ويمكن أيضا ان نجد سندا ووثائق ضمن أوراق تلك المذكرات ، الا ان المهم ان نميز بين ما يتم تثبيته من المصادر وبين الاستنتاج السياسي الذي يمكن استخلاصه منها . لذلك فإن القيمة الحــــــقيقية لشهادته ليست في تبرئة البعث أو إدانة المعارضة بصورة مطلقة، وإنما أنها تقدم رواية من داخل أحد أجنحة المعارضة العراقية نفسها، وتسمح بطرح سؤال أكبر حول طريقة تعاطي بعض القيادات مع بعض الازمات المتلاحقة التي لا ترقى الى مستوى تضحيات الشعب العراقي ؟ وان تكون قياداته على قدر من المسؤولية التاريخية في تجاوز الحسابات الضيقة ووضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار ، فالأزمات لاتعالج بعقلية الغلبة والانفعال ورد الفعل بل بروح الدولة وإرادة الإنقاذ ، ولهذا يرد السؤال عن كيفية انتقال بعض القوى العراقية من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، وكيف تغيرت علاقاتها وتحالفاتها وخطابها الوطني بعد 2003؟
تجربة سياسية
والأهم أن (الجزء الثاني من كتابه البعث كما عرفته) الصادر في 2026 عن دار الحكمة بلندن، يقدم شهادة من داخل التجربة السياسية والحزبية، ويتناول، بحسب عرض الكتاب، دوره في المعارضة العراقية ضد صدام، ثم ما وصفه بالجفاء والتنكر الذي تعرض له من بعض أطراف المعارضة بعد سقوط النظام.
وضمن المذكرات التي تحدث فيها محمد رشاد الشيخ راضي صراحة عن أن معظم القوى العراقــــــية المعارضة كانت تعمل في الساحة السورية، وأن بينهم تفاهــــــمات وقـــواسم مشتركة، كما تحدث عن اتصالاته بعد 2003 مع قوى وشخصيات سياسية عراقية بهدف المشاركة في العملية السياسية، ضمن إطار ما يسمى بالمصالحة الوطنية والتي لم تكن جادة فعلا، كما تعددت اللقاءات والمحاولات الا ان هذه المحاولات لم تصل إلى نتيجة ، ثم انتهت بصمت دون ان نسمع عنها او نطالع نتاجها .
وكانت مكاتب حزب البعث في دمشق ولندن تقدم كافة الخدمات للعراقيين المعارضين لنظام صدام على اختلاف توجهاتهم السياسية وبدون مقابل، ولغرض تبسيط الإجراءات وتنظيمها تم السماح لمكاتب الأحزاب والقوى العراقية المعارضة في دمشق رفع طلبات العراقيين، الا ان عدد غير قليل من مكاتب هذه الأحزاب تجاوزت العمل السياسي وبرزت ممارسات مقابل منافع مالية ومادية تستوفيها من العراقيين وهم في اسوء ظروفهم (ص 44)، وأورد صورا لبعض الرسائل التي يوجهها بعض من قيادات هذه الأحزاب يطلبون منه اكمال معاملات لهم ولعوائلهم.
وبعد انشقاق السيد صلاح عمر العلي عن نظام صدام واستقالته كمندوب دائم للعراق في الأمم المتحدة ، تم تكليف الشيخ راضي للاتصال به والسفر الى نيويورك ، والسعي لاستثمار موضوع انشقاقه عن النظام العراقي وتوظيفه لصالح مشروع المعارضة ، حيث سافر الى نيويورك والتقاه ، وحضر الى دمشق والتقى بالرئيس حافظ الأسد وبعد الاتفاق معه على العمل المشترك تم تامين منحة مالية كبيرة أولية ومن ثم تخصيص راتب شهري مقداره سبعة الاف دولار يحول له شخصيا ( مرفق صورة لصك منها ) ، الا انه وبعد اشهر من هذا اللقاء وصل العلي الى لندن حيث ارتبط بحركة الوفاق مع اياد علاوي وطلب إيقاف ارسال المبلغ الشهري حيث تم تامين وضعه .
حسابات اقليمية
يمكن قراءة هذه الشهادة في مستوى المعارضة في الخارج:
وجود قوى سياسية عراقية متعددة في دمشق، وتعاونها وتنسيقها في مواجهة نظام صدام، يبين أن المعارضة لم تكن كتلة واحدة، بل كانت خليطاً من تيارات إسلامية وقومية وديمقراطية وكوردية، لكل منها علاقاته وحساباته الإقليمية. والمصادر التي تتحدث تؤكد هذا التنوع.
مستوى العلاقة مع الخارج من الناحية التاريخية نستنتج ان وجود المعارضة العراقية في دمشق وطهران واربيل وعمان ولندن ، فان مشروعها يتأثر من قبل الدول المضيفة وينسحب ذلك على قراراتها خصوصا الولايات المتحدة وايران وسوريا وغيرها ، حيث تبين تجربة العمل المشترك تحت ضغوط الإقليم والمال السياسي (ص114) ، وضمن خياراتها كانت بعض القيادات تقدم الاعتبارات الخارجية على المصلحة الوطنية ، وإذا نظرنا إلى تجربة المعارضة العراقية في الخارج، وخصوصاً محاولات توحيدها في لجنة العمل المشترك ثم مؤتمرات بيروت ودمشق، فإن عدم تماسكها لم يكن مجرد خلاف شخصي بين القيادات، بل كان نتيجة تعارضات بنيوية عميقة. فقد ضمت فعلاً تيارات إسلامية وقومية عربية وكوردية وشيوعية وديمقراطية ومستقلين، ووضعت بعض الأطر المشتركة بهدف إسقاط النظام وتشكيل حكومة ائتلافية بعده. كان هناك اتفاق على إسقاط صدام، لكن لم يكن هناك اتفاق بالقدر نفسه على سؤال: ماذا بعد صدام؟ فالإسلامي كان يفكر في دولة ذات مرجعية إسلامية،.
والقومي في دولة عربية موحدة الهوية، والكوردي في ضمانات قومية واسعة وربما الفيدرالية، والشيوعي والديمقراطي في دولة مدنية ديمقراطية، وبرزت تباينات واضحة في الرؤى إذ سعى التيار الإسلامي الى استبعاد الحزب الشيوعي العراقي من اطار المباحثات ، ما استدعى خوض حوارات طويلة ومضنية اتسمت بالكثير من الشد والجذب انتهت في نهاية المطاف الى القبول بمشاركة الحزب الشيوعي ضمن مسار الحوار المعتمد ( ص ١٣٠ ) ، وهذا يكشف مشكلة أساسية: كان المطلوب من خصوم فكريين أن يتحولوا إلى شركاء سياسيين دائمين من دون أن يكون بينهم عقد سياسي واضح.
القوى الكوردية لم تكن تتعامل مع القضية العراقية بالطريقة نفسها التي تعاملت بها الأحزاب العربية.
بالنسبة إليها، سقوط نظام صدام لم يكن الهدف الوحيد، كانت تريد أيضاً ضمان مستقبل العلاقة بين كوردستان والدولة العراقية، وحقوق الشعب الكوردي، وشكل الدولة. ولهذا كان الاتفاق على إسقاط النظام أسهل بكثير من الاتفاق على شكل العراق الجديد.
كان التوافق في كثير من الأحيان سلبياً الاتفاق على إسقاط النظام، لكننا لم يحصل الاتفاق على شكل الدولة التي ستأتي بعده،
ومن اللافت أن تجربة لجنة العمل المشترك قامت على مبدأ ((التوافق)) في توزيع التمثيل، وهو ما اعتبر لاحقاً بذرة لمشكلة المحاصصة، حيث طالب الإسلاميون ان يكون التمثيل بسبعة أعضاء، عضو للأكراد وعضو للشيوعيين واثنان للقوميين وثلاثة للإسلاميين، بعدها رفع الي تسعة حتى بلغ العدد الى سبعة عشر (ص١٣١).
المعارضة العراقية استطاعت أن تتوحد حول عدو مشترك أكثر مما استطاعت أن تتوحد حول مشروع دولة.
وهذا يفسر لماذا كانت تجمعاتها تتشكل ثم تتعرض للانقسام، ولماذا كانت المؤتمرات تنتج بيانات سياسية قوية، ولكنها لا تنتج دائماً قيادة موحدة وآلية قرارات ملزمة وبرنامجاً واضحاً لما بعد سقوط النظام.
ومن هنا يمكن فهم ما حدث بعد 2003 بصورة أفضل فالانقسام الذي ظهر بعد سقوط صدام لم يكن جديداً، بل كان موجوداً داخل المعارضة نفسها، لكن سقوط النظام أزال العامل الذي كان يجبرها مؤقتاً على التعايش مع بعضها.
وبالتالي فإن تجربة المعارضة العراقية بين 1990 -2003 يمكن قراءتها باعتبارها مقدمة مباشرة لبعض مشكلات النظام السياسي الذي نشأ بعد 2003: التوافق، المحاصصة، ضعف الثقة، تعدد مراكز القرار، والبحث عن الحماية الخارجية.
وهذه النقطة الأخيرة مهمة جداً في تقييم شهادة محمد رشاد الشيخ راضي: لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها شكوى بعثي سابق من (( الجحود )) وإنما باعتبارها شهادة من داخل أحد مكونات المعارضة عن طبيعة العلاقات والتحالفات التي سبقت قيام النظام السياسي الجديد. لكن ينبغي مقارنتها بشهادات بقية أطراف المعارضة حتى نميز بين الوقائع المشتركة والتفسير الشخصي للأحداث.
مستوى ما بعد 2003
هنا تصبح شهادة الشيخ راضي أكثر إثارة للاهتمام، لأنه يذكر إنه كان جزءاً من البيئة السياسية المعارضة للنظام السابق، ثم وجد نفسه بعد سقوط النظام أمام واقع سياسي جديد لم يعترف، حسب روايته، بالدور الذي قام به جناحه في المعارضة، وكان التحجج بان الشعب لا يتقبل وجود البعثيين حتى وان كانوا من اليسار المعادين لسلطة صدام ، وكان يواجههم بان الحكم للشعب وانهم لا يمكن ان يختزلوا إرادة العراقيين وان الاحتكام لصندوق الانتخاب ( ص ٢٧٨ ) ، بالإضافة الى ان نصوص الدستور المتعلقة بحرية الراي والعقيدة والمساواة امام القانون جميعها نصوص تبيح لهم العمل السياسي . وهذا يفتح سؤالاً مهماً: هل كانت بعض القوى المعارضة تنظر إلى شركائها في المعارضة باعتبارهم حلفاء مؤقتين، ثم تغيرت معاييرها عندما أصبحت السلطة في متناولها؟
وهذا تحديداً هو الجانب الذي يبدو أن مذكراته تريد إبرازه، فالعرض المنشور للكتاب يذكر صراحة أنه يوثق ((الجفاء والتنكر)) الذي لقيه من أطراف المعارضة بعد سقوط النظام والأسباب التي يراها وراء ذلك، وتأتي أهمية شهادة محمد رشاد الشيخ راضي حول وجود بعث عراقي معارض لصدام داخل تجمع المعارضة وضع بقية القوى أمام معضلة مفادها هل معيار التحالف هو معارضة صدام، أم الانتماء السابق إلى حزب البعث؟
الحقيقة ان البعث اليساري كان موجودا في بيئة المعارضة العراقية، ومعظم القوى العراقية كانت تعمل في الساحة السورية وان بينهم تفاهم وقواسم مشتركة، وكان السؤال قبل ٢٠٠٣ هل انت ضد صدام؟ واصبح بعد ٢٠٠٣ عند بعض القوى هل كنت بعثيا ؟ هذا التحول يستحق دراسة مستقلة، لأنه يفسر جانباً من شعور بعض الشخصيات البعثية المعارضة بأن تاريخ تعاونها مع المعارضة جرى تجاهله بعد سقوط النظام.
كثير من قادة المعارضة رأوا أن الاستناد للعامل الخارجي، رغم كلفته على الاستقلالية والشرعية الوطنية، هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق أمام نظام يمتلك ترسانة عسكرية وأمنية ضخمة – وهي معضلة كلاسيكية تواجه أي معارضة لنظام استبدادي شديد التمركز، لجوء المعارضة العراقية إلى الاستناد الخارجي لإسقاط نظام صدام حسين كان نتاج تراكم عوامل بنيوية وتاريخية.
كما شكلت الاستعانة بالعامل الخارجي وبالولايات المتحدة الامريكية خصوصا عاملا شكل ملامسة لإشكالية ومعضلة شرعية واخلاقية عميقة فبعض قيادات المعارضة اتُهمت بازدواجية السلوك بين خطاب وطني معلن وارتباطات خارجية فعلية، كان من بين احزاب المعارضة العراقية احزاب اسلامية ادعت انها لا تتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية في حين انها كانت تتواصل سرا معها ، و هذه ظاهرة موثقة نسبياً في تاريخ المعارضة الإسلامية العراقية، وتحديداً في حالتي حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (المجلس الأعلى)، ويمكن تفسير هذه الازدواجية بعدة عوامل متداخلة ، منها التناقض بين الشرعية الايديلوجية والضرورة العملية ، وحساسية العلاقة مع ايران ، ازدواجية الخطاب كأداة للبقاء السياسي الكلاسيكي ، الإشكالية القانونية – الأخلاقية المرتبطة بذلك فالحزب الذي يبني شرعيته على معاداة قوة اجنبية بينما يتفاوض معها سراً يواجه أزمة مصداقية مزدوجة أمام قاعدته من جهة، وأمام الحليف الأجنبي نفسه من جهة أخرى الذي يدرك أنه يتعامل مع طرف يمارس خطاباً مزدوجاً.
وهذا ما كشفته لاحقا وثائق الكونغرس الأمريكي المتعلقة بتمويل المعارضة العراقية، ومذكرات وشهادات قيادات معارضة ومذكرات محمد الشيخ راضي من بينها، وتسريبات لاحقة حول اجتماعات لندن ونيويورك وواشنطن التي حضرتها هذه الفصائل سرا. بعد ٢٠٠٣ تم اعتماد منطق الاقصاء السياسي.
بقيت قناعة البعث العراقي اليساري راسخة بوضع السيادة الوطنية ووحدة المجتمع العراقي فوق أي اعتبار، وان التغيير الذي لا يستند الى قاعدة وطنية صلبة لن يقود الى الاستقرار الحقيقي، وان انقاذ العراق لا يتحقق باستبدال سلطة بأخرى، بل ببناء مشروع وطني جامع يحصن البلاد من الانزلاق الى مسارات اشد خطرا مما كان قائما . (ص٣٣٠)، وخلص محمد رشاد الشيخ راضي بان ما يقال في العلن شيء ومايدار في الغرف المغلقة شيء آخر، وان المرحلة كانت تصاغ بقرارات لا تخلو من التناقض بين منطق الشرعية الشعبية وحسابات القوة والسياسة.
حين تتداخل الشعارات مع المصالح ويمتزج الخطاب الثوري بحسابات الربح ينتج لنا مشهدا يعكس هشاشة البنية الأخلاقية لجزء من المعارضة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول صدقية بعض مواقفها المعلنة، نعم، ويمكن قراءة مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي بوصفها شهادة تاريخية من داخل تجربة المعارضة العراقية، لا مجرد سرد شخصي للأحداث. وقيمتها الأساسية، كما تشير، تكمن في أنها تكشف التناقض بين الخطاب السياسي المعلن للمعارضة وبين مواقف قياداتها ومصالحها وتحالفاتها الفعلية.
والأهم أن الشيخ راضي، بحسب هذا التصور، لم يكتفِ بوصف الخلافات، وإنما حاول إسناد روايته إلى الوثيقة والمراسلات والوقائع والأسماء والتفاصيل؛ وهذا يمنح المذكرات قيمة توثيقية أكبر، مع ضرورة التمييز دائماً بين الوثيقة ذاتها وبين تفسير صاحب المذكرات لها.
و يمكن القول إن أهمية مذكرات الشيخ راضي لا تكمن في أنها تقدم “الحقيقة النهائية” عن المعارضة العراقية، وإنما في أنها تضع أمام الباحث مادة أولية تسمح بإعادة فحص تلك المرحلة بعيداً عن الروايات السياسية اللاحقة.
بعد سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣ قدم محمد رشاد الشيخ راضي طلبا باعتباره مفصولا سياسيا ومطاردا من نظام صدام ، حيث كان موظفا في مصرف الرافدين سابقا ، تم رفض طلبه باعتباره بعثيا بالرغم مما قدمه وحزبه من رعاية واحتضان لقيادات إسلامية وديمقراطية وقومية طيلة الفترة من ١٩٩٠ ولغاية ٢٠٠٣ في دمشق ، وكان محمد رشاد الشيخ راضي الاسم والشخص الذي يلوذ به اكثر المقيمين بسوريا من العراقيين المعارضين ، ولم يتوان من تقديم جميع اشكال المساعدات المادية والمعنوية والرسمية وغير الرسمية بقدر ما يتمكن من صلاحياته وامكانياته خلال تلك الفترة .