الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإعلام والذكاء الإصطناعي

بواسطة azzaman

الإعلام والذكاء الإصطناعي

عبد الحسين شعبان

 

‏آثار موضوع محاضرة ألقيتها في نقابة المحامين العراقيين ببغداد اهتمامًا كبيرًا، ليس من جانب المحامين بشكل خاص والحقوقيين بشكل عام، بل من جانب إعلاميين وصحافيين، لما له علاقة بتدفق الأخبار والمعلومات من المنصات الإلكترونية والخوارزميات المنتشرة، والتي أخذت تؤثّر على نحو كبير على الجمهور، خصوصًا في قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، الأمر الذي يثير أسئلة ملتبسة ومحيّرة بخصوص تهديد الذكاء الاصطناعي لمستقبل الصحافة والإعلام، لاسيّما حين يتعلق الأمر بنزاهة المعلومات والأخبار والتفريق بين المزيف والصحيح منها.

‏وقد توقّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عند هذا الموضوع الشائك والمعقّد، وعقدت اجتماعًا في ناميبيا العام 2021، صدر عنه إعلان وندهوك، لفت الانتباه إلى خطورة استخدام المعلومات، وهي مُلك عمومي حسب ما تعرّفها اليونسكو، والمُلك العمومي يفترض به النزاهة، وهذه نقيض الزيف والتزوير، تلك التي ما تزال وسائل الإعلام تنشرها على نحو متعاظم، في ظلّ استخدامات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

‏الخبر الكاذب أو المضلّل ينتهك الحق في الكرامة والحياة الشخصية والصحة العامة، فضلًا عن ذلك فإنه لا يتورّع عن استخدام شتّى الأساليب، بما فيها تغذية الكراهية والتحريض عليها وعلى العنف والحرب.

‏وأظهر تقرير لليونيسكو نُشر في العام 2025، أن وسائل إعلام عديدة وقعت ضحية فريسة مصالح خاصة، ويتعرّض الصحفيون والإعلاميون إلى مضايقات عديدة من جانب أجهزة ومؤسسات أمنية بسبب كشفهم الفساد أو نشر ثقافة النزاهة الإعلامية، والتعامل مع السياسيين من موقع النقد والرقابة ورصد الأخطاء.

‏ويلعب الذكاء الاصطناعي التوليدي دورًا خطيرًا على هذا الصعيد، خصوصًا حين يضخّم المعلومات فينتج محتويات ونصوصًا وصورًا وتسجيلات صوتية تزيد من حيرة المتلقّي، بل تشوّش عليه في تضخيم الالتباس وعدم القدرة على التميز بين الغث والسمين.

تراجع الصحافة المكتوبة

‏لقد تراجعت إلى حدود كبيرة وسائل الإعلام التقليدية لدى الشباب الذين لم يعودوا مكترثين بسماع نشرات الأخبار الإذاعية أو التلفزيونية، إضافة إلى تراجع الصحافة المكتوبة، فضلًا عن الكتاب المطبوع، وحتى المواقع الإخبارية فإنها تلقى صعوبة كبيرة في التواصل مع مستخدميها.

‏وبالمقابل يتزايد على نحو انفجاري إنشاء شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والبودكاست ومنصات تجميع الأخبار ومحركات البحث المدعومة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويساهم هذا الأخير في طبيعة الاستخدامات وفي تلخيص المحتويات وتوليفها من دون حاجة المستخدم للعودة إلى المصادر الأصلية، ولا شك أن ذلك يحدث تحولًا جذريًا في القناعات.

 لم تعد الأخبار والسياسة تحظى برواج كبير كما كانت في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وقبل استخدامات الذكاء الاصطناعي في السنوات القليلة الماضية. وحسب تقرير صدر بشأن الأخبار الرقمية (2025)، يتجنب أربعة من كل 10 أشخاص سماع الأخبار، في حين أن في العام 2017 كانت النسبة حوالي 30 بالمئة والسبب يعود إلى الشعور العام بالإحباط والإرهاق والتخمة المعلوماتية وعدم الإيمان بصحة المعلومات أو الشك فيها، خصوصًا حين تكون المادة المقدّمة غير مقنعة أو روتينية وليس لها صلة بالواقع المعيش، وبالهموم والمشاغل التي يعاني منها المواطن.

‏لقد أصبح المحتوى الترفيهي والذي يركز على الشخصيات أكثر جاذبية من غيره، وأن المتلقّي هو أكثر ثقة بالأشخاص (الأفراد) من المؤسسات لدرجة أن أصحاب صناعة المحتوى البودكاست (اليوتيوب) أصبحوا قوى مؤثّرة في الرأي العام، بل محركة أحيانًا.

‏إن ابتعاد الإنسان عن متابعة الشأن العام يجعله أكثر عرضة للتلاعب، وخصوصًا تأثّره بالسرديات الدينية والإثنية ولكل ما له علاقة بالتحريض على الكراهية، التي تنجم عن التعصب، وهذا يولّد التطرف، وحين يتحوّل الأخير إلى سلوك يقود إلى العنف، والعنف إذا ما ضرب عشوائيًا واستهدف إضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة، وإضعاف ثقتها بنفسها وثقة المجتمع الدولي بها، يتحول الإرهاب ليصبح إرهابًا دوليًا، خصوصًا حين يكون عابرًا للحدود.

‏إن ما يزيد الطين بلّة، هو مساهمة بعض الحكومات والجهات المتنفّذة بالتكنولوجيا العالمية إلى توجيه الأخبار المولدة بالذكاء الاصطناعي خدمة لمصالحها الأنانية الضيّقة وأيديولوجياتها، وهو ما يعاظم حيرة الجمهور ويدفعه إلى مناطق اشتباكات ومنازعات وحروب، خصوصًا في ظل التغيرات الجيوسياسية والجيومناخيه، وارتفاع موجات الهجرة من الجنوب إلى الشمال، ومن بلدان الفقر إلى بلدان الغنى، ومعه موجات جديدة من الإرهاب والإرهابيين وتنظيمات تستخدم هي الأخرى الخوارزميات لأهدافها الشريرة.

‏وفي حزيران / يونيو 2023 نشر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش مذكرة بخصوص المنصّات الرقمية، ودعا فيها إلى وضع سياسات تعزّز الصحافة المستقلّة والحرّة والتعدديّة، وفرض نزاهة الخبر على شركات التكنولوجيا التي تلعب دورًا كبيرًا في تدهور صحة الأخبار، بل في نشر الأخبار الكاذبة والملفّقة وغير النزيهة، وأكدّ الأمين العام على ضرورة توخّي الشفافية وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود بفضل التربية على وسائل الإعلام وعلى التعاون الدولي.

‏وبالطبع فإن ذلك يفترض احترام حريّة التعبير كحق أساسي للإنسان، ولا غنى عنه لاحترام حقوق الإنسان بشكل عام والدفاع عنها، ولعلّ ذلك يحتاج إلى اتفاقية دولية تضع مبادئ ملزمة توقّع عليها الدول الكبرى بشكل خاص، بحيث تكون اتفاقية شارعه أي منشئة لقواعد قانونية جديدة تلزم نفسها بها مثلما تلزم شركات التكنولوجيا الكبرى، على أن يكون استخدامات الذكاء الاصطناعي المولدة للمحتوى تتمتّع بالحد الأدنى من النزاهة الأخلاقية، فضلًا عن القواعد القانونية.

‏ويبقى موضوع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، سواء في القانون أو الإعلام أو غيره من الحقول، أحد الإشكالات الأساسية التي تواجه عالمنا، ومن التحديات الكبرى التي تواجه المجتمع الدولي، لما له من تأثير على مستقبله ومستقبل البشرية إيجابًا أو سلبًا.


مشاهدات 54
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/09/05 - 12:40 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 1:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 6829 الكلي 16539349
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير