عمارتا (العشر فلوس) و(السفرطاس).. شاهدان على إبداع المعماريين العراقيين الأوائل
جواد الرميثي
تزخر بغداد بعشرات المباني التي لا تمثل مجرد منشآت عمرانية ، بل تختزن في تفاصيلها ذاكرة المدينة وتحولات مجتمعها ، وتروي جانباً مهماً من تاريخ العمارة العراقية الحديثة. ومن بين هذه الشواهد تبرز عمارتا (العشر فلوس) و(السفرطاس) ، اللتان أصبحتا علامتين مميزتين في المشهد المعماري البغدادي ، لما حمله تصميمهما من أفكار مبتكرة جمعت بين الحداثة والهوية المحلية .
وتنتمي العمارتان إلى مرحلة مهمة من تاريخ بغداد العمراني ، ولا سيما خمسينات وستينات القرن العشرين ، حين شهدت العاصمة حركة عمرانية واسعة أسهم فيها جيل من المعماريين العراقيين الذين سعوا إلى تقديم عمارة حديثة تستجيب لمناخ العراق وخصوصية بيئته وثقافته .
عمارة (العشر فلوس) :
ذاكرة معمارية
قرب ساحة الخلاني وشارع الجمهورية ، تقف عمارة (العشر فلوس) شاهدة على مرحلة مهمة من مراحل النهضة العمرانية التي شهدتها بغداد في ستينات القرن الماضي .
صمم المبنى المعماري حازم نامق (1911–1990) عام 1962، ونَفَذ البناء المقاول شريف جمباز ، ليكون مقراً لدائرة الضمان الاجتماعي التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية .
واكتسبت العمارة اسمها الشعبي من شكلها المميز الذي ذكّر البغداديين بالعملة المعدنية القديمة من فئة العشرة فلوس ، فتحول الاسم مع مرور الزمن إلى جزء من ذاكرة المكان ، وأصبح المبنى معروفاً به أكثر من اسمه الوظيفي الرسمي .
ولا تكمن أهمية (العشر فلوس) في شكلها اللافت فحسب ، وإنما في كونها نموذجاً لمحاولة المعماري العراقي تقديم لغة معمارية حديثة تحمل في الوقت ذاته شيئاً من روح المدينة وذاكرتها البصرية .
لكن هذه العمارة التي كانت ذات يوم من العلامات المميزة في بغداد ، تعاني اليوم من الإهمال ، وتغطيها آثار الزمن والغبار ، من دون أن تحظى بما تستحقه من عناية أو استثمار أو حماية بوصفها جزءاً من التراث المعماري للعاصمة .
إن استمرار هذا الإهمال لا يعني خسارة مبنى قديم فحسب ، وإنما يهدد جزءاً من ذاكرة بغداد العمرانية ، خصوصاً أن مثل هذه الأبنية تمثل مرحلة تأسيسية مهمة في مسيرة العمارة العراقية الحديثة .
(السفرطاس) .. عمارة استلهمت شكلها من روح المدينةوفي قلب بغداد التاريخية ، وتحديداً في منطقة الشورجة عند مدخل السوق من جهة شارع الرشيد، بالقرب من جامع مرجان ، تبرز عمارة أخرى لا تقل أهمية ، هي عمارة «عبود» المعروفة شعبياً باسم (السفرطاس) .
وسميت في الأصل بعمارة «عبود» نسبة إلى التاجر المسيحي لطيف عبود ، مالك شركة عبود طبارة للسجائر ، الذي كان المالك الأول للعمارة . وبعد ذلك عرفت باسم «عمارة الذكير» إثر انتقال ملكيتها إلى التاجر البصري عبدالعزيز الذكير .
وتشير الروايات المتعلقة بتاريخ ملكية المبنى إلى أنه بُني لصالح لطيف عبود ، وبعد وفاته انتقلت ملكيته إلى ابنته الوحيدة «أدفيش عبود» ، ثم اشتراه هاشم أحمد البهلهاني في القرن الماضي . وبعد ذلك صودرت العمارة لأسباب سياسية وبيعت إلى التاجر يوسف سعد ، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى عبدالعزيز الذكير ، وهي اليوم ضمن أملاك ورثته .
أما الاسم الشعبي (السفرطاس) ، فقد جاء من الهيئة الهندسية اللافتة للمبنى ، إذ يتكون من كتلة أسطوانية ترتكز على قاعدة مكعبة ، وتتدرج الأسطوانة في شكلها صعوداً ، الأمر الذي منحها مظهراً قريباً من طبقات أو أجزاء (السفرطاس) الذي كان مألوفاً في البيوت العراقية .
ثمرة تعاون
وتتكون الكتلة الأسطوانية من أربعة طوابق ، يضم كل طابق منها أربع شقق متساوية المساحات ، في تكوين هندسي يجمع بين الوظيفة والابتكار .
جاء تصميم العمارة ثمرة تعاون المهندس المدني عبدالله إحسان مع المهندس المعماري رفعت الجادرجي ، في نموذج يعكس ما يُعرف بالحداثة الإقليمية ، التي حاولت الاستفادة من مفاهيم العمارة الحديثة مع مراعاة البيئة والمناخ والمواد المحلية .
فالعمارة الدائرية المتدرجة لم تكن مجرد معالجة جمالية ، بل قدمت شكلاً ديناميكياً يتراجع قطره تدريجياً نحو الأعلى ، فيما وفرت الممرات الخارجية المحيطة بالمبنى ظلالاً وحماية من أشعة الشمس العراقية القاسية .
كما أسهم استخدام الطابوق العراقي «الجف قيم» في الواجهات في منح المبنى طابعاً محلياً واضحاً ، على الرغم من اعتماد الهيكل والخطوط العامة على مفردات العمارة الحديثة .
وهنا تظهر واحدة من أهم سمات العمارة العراقية في تلك المرحلة بعدم الاكتفاء باستنساخ النماذج الغربية ، وإنما محاولة تكييف الحداثة مع المناخ والبيئة والمواد المحلية والذاكرة البغدادية .
تختلف (العشر فلوس) عن (السفرطاس) في الشكل والوظيفة والتكوين الهندسي ، لكنهما تلتقيان في حقيقة واحدة: أنهما تمثلان مرحلة كان فيها المعماري العراقي يبحث عن شخصية خاصة لعمارة بغداد الحديثة .
لقد استطاع جيل الرواد أن يحول المبنى إلى جزء من ذاكرة المدينة ، حتى إن الناس أطلقوا على بعض الأبنية أسماء شعبية مستوحاة من أشكالها ، كما حدث مع (العشر فلوس) و(السفرطاس) .
واليوم ، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في هذه المباني ، ليس من باب الحنين إلى الماضي فقط ، بل باعتبارها وثائق عمرانية حية توثق مرحلة مهمة من تاريخ العراق الثقافي والاجتماعي والفني .
إن حماية هذه العمارات وترميمها وإعادة توظيفها بما ينسجم مع طبيعتها ، يمكن أن تكون خطوة مهمة للحفاظ على هوية بغداد المعمارية ، خصوصاً أن المدينة فقدت خلال العقود الماضية الكثير من مبانيها وشواهدها التراثية.
فـ(العشر فلوس) و (السفرطاس) ليستا حجارة وخرسانة فقط ، بل هما صفحات من تاريخ بغداد ، وشاهدان على جيل من المعماريين العراقيين الذين آمنوا بأن الحداثة لا تعني التخلي عن الهوية ، وأن العمارة الناجحة تستطيع أن تكون عصرية وعراقية في آن واحد .
ولعل إعادة الاعتبار إلى هذه الأبنية وغيرها من روائع العمارة العراقية الحديثة ، تمثل مسؤولية مشتركة بين المؤسسات المعنية بالثقافة والتراث والبلديات والقطاع الخاص ، كي تبقى بغداد محتفظة بذاكرتها المعمارية ، وتظل هذه الأعمال شاهدة للأجيال المقبلة على إبداع المعماريين العراقيين الأوائل وبصمتهم المميزة في تاريخ العمارة الحديثة .