تركيا بعين عراقية.. خريطة العرب السياحية بين العلاج والإستقرار المؤقت
ياس خضير البياتي
في تركيا، لا يحتاج السائح العراقي إلى كثير من الوقت كي يشعر أنه ليس غريبًا تمامًا.
يكفي أن يدخل مقهى، أو يستقل عبّارة، أو يسأل عن شقة للإيجار، حتى يسمع العربية في مكان ما. وفي المدن التي أصبحت مقصدًا للعرب، تبدو تركيا أحيانًا وكأنها أعادت توزيع بعض أحيائها على خرائط عربية صغيرة؛ هنا عراقيون، وهناك كويتيون، وفي جهة أخرى سعوديون وقطريون وإماراتيون.لكن السياحة العربية في تركيا لم تعد هي نفسها التي عرفناها قبل سنوات.
الصيف القاسي
تغيّرت المدن المفضلة، وتبدلت أسباب الإقامة، ولم يعد السائح العربي يبحث فقط عن البحر والشمس والفندق. بعضهم يبحث عن العلاج، وبعضهم عن العقار، وآخر عن الهدوء، وآخر عن مناخ لا يعرف الصيف القاسي، فيما يبحث فريق آخر عن شيء أبسط: مدينة يستطيع أن يعيش فيها من دون أن يشعر أنه قطع صلته بعالمه العربي.
رجل يعرف السياحة من الداخل
في أحد المكاتب السياحية في يلوا (أهلا للسياحة والسفر)، التقيت بمديره أتيلا جوكالب، الملقب عطا الله، المعروف بأبي أحمد. لقد ارتبط بالعالم العربي أكثر مما ارتبط بالسياحة وحدها. وُلد أبو أحمد في لبنان عام 1966 لأب وأم تركيين، وعاش طفولته هناك، ولذلك يتحدث العربية بطلاقة تكاد تجعلك تنسى للحظات أنك تجلس أمام خبير تركي
يعمل في السياحة منذ نحو 35 عامًا، ويعرف المدن التركية لا من خلال الكتيبات السياحية، وإنما من خلال حركة الناس: من يأتي؟ ومن يرحل؟ ومن يشتري؟ ومن يعود؟ سألته عن يلوا، فابتسم وقال:(يلوا كانت تُعرف في وقت سابق بمدينة المتقاعدين.) كان يقصد أن المدينة جذبت لفترة طويلة أشخاصًا يبحثون عن الهدوء والمياه المعدنية والطبيعة والابتعاد عن صخب المدن الكبرى. لكن يلوا تغيرت.
فالمدينة التي كانت تبدو هادئة إلى حد بعيد أصبحت جزءًا من المجال العمراني والاقتصادي المتصل بإسطنبول وبحر مرمرة، كما شهدت نموًا سكانيًا وعمرانيًا واضحًا. وتُظهر بيانات السكان الرسمية لعام 2025 أن سكان ولاية يلوا بلغوا نحو 311.6 ألف نسمة.
يقول مدير المكتب إن السنوات الذهبية للسياحة العربية في يلوا كانت مختلفة عن اليوم، وإن حركة السياحة تغيرت تدريجيًا، ويرى من واقع خبرته في السوق أن الإقبال السياحي العربي على المدينة تراجع مقارنة ببعض السنوات السابقة. لكنه لا يرى أن يلوا خرجت من الخريطة. على العكس، يقول إن الإماراتيين ما زالوا من أكثر العرب ارتباطًا بيلوا، يليهم الكويتيون، فيما تتغير أنماط الإقبال من جنسية إلى أخرى بحسب الموسم والاقتصاد والعقار والطيران والمناخ.
يضع خبير السياحة التركي أمامي خريطة غير مكتوبة للسائح العربي. يقول إن يلوا بقيت محببة خصوصًا لدى الإماراتيين، فيما يميل الكويتيون أيضًا إلى صبنجة وإزميت، بينما تحولت طرابزون إلى واحدة من أبرز الوجهات للسعوديين والقطريين وغيرهم من أبناء الخليج. وهنا تدخل الطبيعة بقوة. فالسائح الخليجي، كما يراه، لم يعد يريد مدينة سياحية فقط؛ يريد الخضرة والماء والجبال والبيت الواسع والسيارة والهدوء. ولهذا أصبحت أوزونغول، وما حول طرابزون، واحدة من أكثر النقاط جذبًا للعرب، ولا سيما الخليجيين.
قصة مختلفة
لكن العراقيين يمثلون حالة أخرى. فهم لا يأتون إلى تركيا للسياحة وحدها. هناك من يأتي للعلاج، ومن يأتي للاستقرار المؤقت، ومن يبحث عن عقار، ومن يريد أن يؤجر شقة لسنوات، ومن يريد أن يقترب من إسطنبول دون أن يدفع أسعار إسطنبول.
ولهذا تبدو يلوا، وبورصة، ومرسين، وأنطاكيا وإسطنبول مدنًا مهمة في خريطة العراقيين، بدرجات متفاوتة. والأرقام الرسمية تؤكد أن العراقيين ما زالوا من الجنسيات المهمة في السوق التركي، سواء في الزيارات أو في الإقامة والهجرة والاستثمار. بل إن بيانات الهجرة التركية لعام 2025 أظهرت أن العراقيين شكلوا 15.7% من المواطنين الأجانب ضمن فئة المهاجرين إلى الخارج وفق تعريف الإحصاء التركي، وهي إشارة إلى حجم الحركة البشرية العراقية المرتبطة بتركيا والمنطقة.
أما في العقار، فإحصاءات TÜİK الرسمية تقول إن الأجانب اشتروا في تركيا 21,534 مسكنًا خلال 2025، وكانت إسطنبول في المركز الأول بـ7,989، ثم أنطاليا بـ7,118، ثم مرسين بـ1,800. أما على مستوى الجنسيات، فقد تصدر الروس، ثم الإيرانيون، ثم الأوكرانيون.
اختيار تركيا
لا توجد إجابة واحدة. ولهذا تركت الأرقام جانبًا لبعض الوقت، ونزلت إلى الناس.
يقو ل طالب الساعدي، أبو حسنين، إن تركيا بالنسبة إليه ليست مجرد مكان لقضاء الإجازة: العلاج أولًا. الخدمات الطبية هنا تجعلني أشعر بالاطمئنان، وبعد العلاج تستطيع أن تتحول الرحلة إلى سياحة. الطبيعة موجودة، والبحر موجود، والمواصلات متاحة. ويرى أن وجود العراقيين والعرب في المدن التركية يخفف أيضًا من شعور الغربة.
ولا تحتاج إلى شيء أكثر من أن تسمع لهجتك في الشارع.أما فالح السعدي، أبو احمد، فينظر إلى تركيا من زاوية مختلفة (أنا لا أبحث عن إسطنبول وحدها. أريد مكانًا أهدأ. أريد أن أخرج من الشقة فأجد شجرة وبحرًا أو مساحة خضراء، وأستطيع في الوقت نفسه الوصول إلى إسطنبول بسهولة) ولهذا يفضل المدن القريبة من إسطنبول، ومنها يلوا. بالنسبة إليه، الميزة ليست في المدينة وحدها، وإنما في المعادلة: هدوء + طبيعة + قرب من إسطنبول + أسعار يمكن احتمالها مقارنة بالمركز.اما جاسم العبودي، أبو ناجي، ينظر إلى تركيا بعين مختلفة تمامًا. العقار بالنسبة إليه ليس مجرد جدران وسقف. (إذا اشتريت شقة في مدينة جيدة، فأنت لا تشتري بيتًا فقط. أنت تشتري مكانًا تستطيع أن تعيش فيه، أو تؤجره، أو تعود إليه في الصيف.) ويرى أن المدن التي تجمع بين الطبيعة والخدمات والمواصلات هي الأكثر جذبًا للعراقي الذي يفكر في العقار. ولهذا تتداخل السياحة مع الاستثمار بصورة واضحة.
بينما يضع نجم عبد الله، أبو طيبة، المناخ والطبيعة والأمان والقانون في مقدمة أسباب اختياره. فالعراقي الذي عاش صيفًا شديد الحرارة يعرف قيمة مدينة تستطيع أن تمشي فيها دون أن تشعر بأن الشمس تطاردك. يحب البحر والمساحات الخضراء والهواء المعتدل، لكنه لا يريد مدينة مقطوعة عن العالم. وهنا يرى أن تركيا تمنحه شيئًا نادرًا: طبيعة أوروبية تقريبًا، ولكن بروح شرقية أقرب إلى وجدانه؛ حيث أذان الجوامع، وتختلط في الشوارع اللهجات العراقية والعربية، فيشعر أنه بعيد عن العراق... لكنه ليس بعيدًا عنه تمامًا.
وتشاركنا زوجته، أم طيبة، الحديث وهي تبتسم: «اللغة التركية صعبة، ونواجه صعوبة في تعلمها».
ومن المفارقات، كما تقول، أن الأسرة استعانت بمعلم لتعليمهم اللغة التركية، فإذا به هو الذي تعلّم اللغة العربية، بينما لم نتعلم منه سوى بعض الأرقام وكلمة واحدة: (تشكرات)!
السياح العرب يغيرون بوصلتهم
إذا كانت الخريطة القديمة للسياحة العربية تميل بقوة إلى إسطنبول وبورصة ويلوا، فإن الخريطة الجديدة أصبحت أكثر تنوعًا. طرابزون وأوزونغول صارتا من أبرز نقاط الجذب الخليجي، خصوصًا لمن يبحث عن الجبال والبحيرات والخضرة، مع حضور واضح للعقار العربي.
ثم تأتي أنطاليا بثقلها السياحي العالمي، وبورصة بطبيعتها وتاريخها وقربها من إسطنبول، ويلوا بمياهها الحرارية وموقعها وهدوئها، ثم صبنجة وبولو وأوردو ومرسين، وكل مدينة منها تقدم شيئًا مختلفًا. وهذا التنوع نفسه هو أحد أسرار نجاح تركيا السياحي.
فوزارة الثقافة والسياحة التركية تنشر بيانات الزيارات شهريًا بحسب الجنسية ونقاط الدخول، وتؤكد أهمية التفريق بين «الزائر» و«السائح» و«اليومي»؛ فالزائر قد يكون سائحًا يقيم ليلة أو أكثر، أو زائرًا لا يبيت. وهذه نقطة مهمة عند الحديث عن أرقام العرب؛ لأن عدد الدخول إلى تركيا لا يساوي بالضرورة عدد السياح الفريدين.
العراقيون: مليون سائح؟
تتداول مكاتب السياحة أرقامًا تصل إلى نحو مليون عراقي سنويًا، فالبيانات الرسمية التركية نفسها تنبه إلى أن إحصاءات الدخول تُحسب على أساس الدخولات، ويمكن للشخص نفسه أن يدخل تركيا أكثر من مرة، فتُسجل كل مرة كدخول مستقل.
وهذا لا يقلل من حجم الحضور العراقي؛ بل يجعل الصورة أكثر دقة. العراقيون ببساطة جزء ثابت من المشهد التركي. يدخلون من أجل السياحة، ويعودون للعلاج، ويشترون عقارًا، ويستأجرون شقة، ويزورون الأقارب، ويقضون الصيف، ثم يعود بعضهم مرة أخرى.
تركيا بالنسبة إلى جزء من العراقيين لم تعد «بلدًا أجنبيًا» بالمعنى التقليدي. لقد أصبحت وجهة قريبة نفسيًا، حتى لو كانت خارج الحدود. أبو أحمد الخبير السياحي يرسم المستقبل قبل أن أغادر المكتب، عدت إليه بالسؤال نفسه: هل ستعود يلوا إلى أيامها الذهبية؟
فكر قليلًا ثم قال: السياحة لا تختفي، لكنها تتغير. الناس يتغيرون، وأموالهم تتغير، وطائراتهم تتغير، وحتى المدن التي يحبونها تتغير. ثم أضاف: اليوم قد يحب الخليجي طرابزون، وغدًا يذهب إلى صبنجة، وبعد سنوات ربما يبحث عن مدينة أخرى.
كان يتحدث بخبرة رجل أمضى 35 عامًا وهو يراقب السياح لا في الصور، بل في حركة السوق.
تركيا... حين يصبح السائح جارًا
في نهاية الجولة، بدا لي أن الحكاية التركية ليست حكاية سياحة فقط. إنها حكاية مزاج عربي يتغير. السائح الخليجي يبحث عن الخضرة والجبال والبرودة والعقار. والعراقي يبحث عن العلاج والأمان والمناخ والسعر والقرب. والعائلة تبحث عن مدينة فيها مدرسة ومستشفى وسوق ومواصلات. والشاب يبحث عن العمل. والمتقاعد يبحث عن الهدوء.
والجميع يبحث، بدرجات مختلفة، عن شيء واحد: مكان يمكن أن يعيش فيه الإنسان حياة أقل صخبًا.
ولعل هذا هو سر تركيا الحقيقي.
فهي لا تقدم للعربي مدينة واحدة، بل تقدم له عدة حيوات: إسطنبول لمن يريد المدينة، طرابزون لمن يريد الجبل، أنطاليا لمن يريد البحر، بورصة لمن يريد التاريخ والطبيعة، صبنجة لمن يريد الهدوء، ويلوا لمن يريد كل ذلك في جرعة أصغر وأقرب.
أما العراقي، فقد اكتشف منذ وقت مبكر أن المسافة بين العراق وتركيا ليست فقط مسافة جغرافية. إنها أحيانًا مسافة بين حياة يريد أن يتركها مؤقتًا، وحياة يريد أن يجربها دون أن يقطع الحبل الأخير مع الوطن.
وهكذا، حين تسأل العراقي في تركيا: لماذا جئت؟
قد يعدد لك الأسباب: علاج، سياحة، عقار، استثمار، أو مجرد إجازة قصيرة. لكن حين تنتهي قائمة الأسباب، يبقى شيء أعمق لا يظهر في جواز السفر ولا في فاتورة الفندق: إنه يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يعيش يومه من دون أن يظلّ مشدود الأعصاب؛ بحرٌ أمامه، وخضرةٌ حوله، ومدينةٌ نظيفة. وربما لهذا أحبّ العراقي تركيا: لأنها تمنحه، ولو مؤقتًا، الحياة التي كان يتمنى أن يجدها أقرب إلى بيته.