الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصنة الإعلام

بواسطة azzaman

شخصنة الإعلام

رعد البيدر

 

أوجد العصر الرقمي واقعًا جديدًا للمؤسسات، فأصبح الإعلام جزءًا من عملها، وأداةً للتواصل مع المجتمع، ووسيلةً للتعريف بإنجازاتها. غير أن التطور التقني، كغيره من الظواهر، لا بد أن تحكمه ضوابط مهنية وأخلاقية، وإلا تحول من وسيلة لخدمة المؤسسة إلى وسيلة لخدمة الأفراد.

في محيط التداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة اتسع نطاقها، تتمثل في الترويج الشخصي لبعض شاغلي المناصب العليا، ولا سيما في المؤسسات العسكرية والشرطوية، سواء عبر صفحاتهم الشخصية، أم عبر صفحات يديرها آخرون بتكليف مباشر أو غير مباشر، حتى أصبح المتابع يشاهد بصورة متكررة لقاءات، وجولات، واستقبالات، وتكريمات، ومقاطع فيديو، في مشهد يوحي باستمرار نشاط إعلامي يتمحور حول المسؤول أكثر مما يتمحور حول المؤسسة.

لا يدخل في نطاق نقد الظاهرة ما تنشره المؤسسات عبر جهاتها الإعلامية الرسمية، فالإعلام المؤسسي مسؤولية مطلوبة، ويفترض أن يخضع لسياسة وضوابط مدروسة، ويهدف إلى تعريف الرأي العام بإنجازات المؤسسة ونشاطاتها، على أن يراعي مقتضيات الأمن المهني وأمن المعلومات. أما الترويج الشخصي، فيتمحور حول المسؤول، ويجعل المنصب وسيلة لبناء حضور إعلامي متواصل، سواء تولاه بنفسه أم تولاه آخرون لحسابه بعناوين براقة من قبيل: (محبو فلان الفلاني).

يبقى الحد الفاصل بين الإعلام المؤسسي والترويج الشخصي أساسًا في سلامة الأداء المهني. فالإعلام المؤسسي يخدم المؤسسة ويعكس رسالتها، أما الترويج الشخصي فيخدم الفرد ويعمل على تكوين صورة ذهنية عنه. وعند اختلاط المسارين، يصعب على المتابع التمييز بين ما نُشر خدمةً للمصلحة العامة، وما نُشر لتحسين الصورة الشخصية.

تقييم مهني

تكمن الخطورة في أن الترويج الشخصي يقدم صورة انتقائية لا صورة متكاملة. يقع الاختيار على اللقاءات، والجولات، والتكريمات، وعبارات الثناء، وسائر المشاهد الإيجابية، بينما قد تُحجب جوانب أخرى لا تقل أهمية في التقييم المهني. ونتيجة لذلك تتشكل صورة ذهنية قد لا تعبر عن الواقع الوظيفي، لأن معيار التقييم يتحول من جودة الأداء إلى كثافة الظهور.

تزداد أهمية المسألة في المؤسسات العسكرية، لأن طبيعة العمل تقوم على الضبط، والتحفظ، والعمل المؤسسي، وصون أمن المعلومات. فمرافقة المسؤولين، وتصوير تحركاتهم، وتسجيل لقاءاتهم، وبثها بصورة متكررة، لا تنسجم دائمًا مع خصوصية المؤسسة العسكرية، حتى عند خلو المحتوى من أسرار عسكرية مباشرة. فكثير من المعلومات لا يُستخلص من وثيقة سرية، بل من تجميع الصور والأفلام، وأنماط الحركة، وأماكن الوجود، وتوقيتات النشاط، والعلاقات الوظيفية، وهو ما يفرض أعلى درجات الانضباط في النشر.

من حق المجتمع الاطلاع على نشاطات مؤسساته، والإعلام المؤسسي يؤدي دورًا مهمًا في تحقيق الشفافية وتعزيز الثقة، لكن نشر الأخبار والفعاليات ينبغي أن يبقى ضمن الإعلام المؤسسي، ووفق ضوابط مهنية وأمنية موحدة، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية التي تختلف من قناعات مسؤول إلى آخر.

المصلحة العامة تقتضي وضع تعليمات واضحة تنظم النشر الإعلامي، وتحدد الجهة المخولة به، وطبيعة المواد المسموح بنشرها، والحدود الفاصلة بين الإعلام المؤسسي والترويج الشخصي. فالالتزام بتلك الضوابط يعزز الثقة بالمؤسسة، ويحفظ هيبتها، ويصون أمن المعلومات، ويمنع الشخصنة في العمل العام. ومن مقتضيات ذلك ضبط تداول الوثائق والمخاطبات الرسمية، إذ يثير نشر بعضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في يوم صدورها تساؤلات مشروعة عن آليات حفظها ومسؤولية تداولها. والأمر يستحق المراجعة، لأنه يتعلق بالانضباط المؤسسي قبل أن يتعلق بالإعلام.

لا أدعو إلى تقليل حضور المؤسسات في الفضاء الإعلامي، وإنما إلى بقاء كل نشاط ضمن حدوده الطبيعية. فالإعلام المؤسسي ضرورة، أما الترويج الشخصي فلا بد أن يبقى ضمن ضوابط واضحة، حتى لا يطغى على الإعلام المؤسسي. فالإنجاز الحقيقي يبقى أبلغ أثرًا من كثافة الظهور، وهيبة المنصب تُكتسب بحسن الأداء، لا بتكرار المشاهد الإعلامية.

من حق البعض أن يختلف معي في الرأي، لكن المقصود من الطرح ترسيخ المهنية، وصون هيبة المؤسسات، والحفاظ على ما تقتضيه الوظيفة العسكرية من انضباط وتحفظ.

أختتم بقول رسول الله : «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون».

 


مشاهدات 29
الكاتب رعد البيدر
أضيف 2026/08/04 - 3:14 PM
آخر تحديث 2026/08/05 - 4:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 4751 الكلي 16094455
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير